ملجأ العامرية Amriya Shelter

ملجأ العامرية أو الفردوس أو رقم خمسة وعشرين هو ملجأ من القصف جوي بحي العامرية، بغداد، العراق، قصف أثناء حرب الخليج الثانية. فقد ادت احدى الغارات الاميركية يوم 13 فبراير 1991 على بغداد بواسطة طائرتان من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية إلى تدمير ملجأ مما ادى لمقتل أكثر من 400 مدني عراقي من نساء واطفال. وقد بررت قوات التحالف هذا القصف بانه كان يستهدف مراكز قيادية عراقية لكن اثبتت الاحداث ان تدمير الملجا كان متعمدا خاصة وان الطائرات الاميركية ظلت تحوم فوقه لمدة يومين
The Amiriyah shelter or Al-Firdos bunker was an air-raid shelter ("Public Shelter No. 25") in the Amiriyah neighborhood of Baghdad, Iraq. The shelter was used in the Iran–Iraq War and the Gulf War by hundreds of civilians. It was destroyed by the USAF with two laser-guided "smart bombs" on 13 February 1991 during the Gulf War, killing more than 408 civilians.

الأحد، 12 ديسمبر 2010

شاهدة على الحرب ..قصة مأساوية.. أول من شاهد ملجأ العامرية بعد قصفه بدقائق ومعلومات مهمة عن صدام وبريماكوف

المطر الأسود
http://www.iraqsnuclearmirage.com/articles/Black_Rain_Maysoon%20AlBayati.html
د . ميسون البياتي
هذه .. هي شهادتي على الحرب القذرة التي شاهدتها بعيني وكل حواسي ، والتي أوقعها كل العالم الحر العادل القانوني الديمقراطي المتحضر، علينا كعراقيين عزل ، مغلوبين على إرادتهم ، يقودهم مجنون أوحى له بجنون عظمته .. نفس ذلك العالم ( الحر العادل القانوني الديمقراطي المتحضر ) .

وهي شهادتي عن بلدي الذي تدمر ، وناسي الذين ماتوا او لحقهم ما هو أبشع من الموت ، وعن نفسي التي ما عادت إلي منذ ذلك الحين .

أنا أعترف ، ربما الحياة تغيرت منذ ذلك الوقت ، لكنني أأوكد .. ميسون البياتي تغيرت أيضا ، غيرتها الحرب ، ولم تعد تلك الصبية الجميلة الحالمة المدللة ، أشياء كبيرة في داخلي إنكسرت ، ولن تعود مثلما كانت ، حتى لو بإرادة القادر الجبار نفسه ، الذي على كل شيء قدير .

وأنا أكتب ، يدفعني هاجس واحد للكتابة هو : لماذا إستخدم الأمريكان القوة الغاشمة ضد العراقيين في عملية إخراج صدام من الكويت ؟؟

هل الموت والدمار والخراب الذي وقع على المدنيين الأبرياء العزل كان ( ضروريا ) لجعل صدام ينسحب من الكويت ؟

وهل إلحاق الأذى الغاشم بالجيش العراقي المغلوب على أمره والخارج توا من حرب ( إحتواء مزدوج ) مع ايران ، قررتها الولايات المتحدة الأمريكية لسحق البلدين كي لا يشكلا خطورة تذكر على محمياتها النفطية في منطقة الخليج العربي ( ضروري ) ايضا ؟

هل إلحاق الأذى الغاشم بالجندي العراقي الفرد المغلوب على أمره ، الذي لا حول له ولا قوة أمام أوامر قيادته العسكرية هو السبيل الوحيد لتحرير الكويت ؟

وألم يكن صدام والقيادة العراقية صنائع أمريكية يأتمرون بأوامرها ؟ وأن الحكومة الأمريكية كانت بالتأكيد هي التي أوحت لهم بمخطط هذا العمل المجنون .. كي تجر المنطقة الى ويلات لا يتحسبون لها ؟؟

الحكومة الأمريكية .. لو أرادت .. لكانت قادرة بالتاكيد .. أن تجر هذه القيادة العراقية الصنيعة .. الى مفاوضات خيمة صفوان ..... أو أي خيمة سواها ، من دون اللجوء الى تلك ( القوة المفرطة ) التي تعتبر بصقة كبيرة في جبين الإنسانية ، وبصقة كبيرة في شرف وجبين وعرض كل قوى الخير والمحبة والسلام على الأرض .

ولا تدري وأنت تتأمل ألبومات صور تلك الحرب المهولة الإذلال ، الآن وبعد مضي ما يقارب عقدين من الزمان ، كيف إرتضى العالم الفاسق الذي يتبجح بشعارات العدالة والحرية والإنسانية والديمقراطية ، أن يشترك في حلف من 33 دولة ليقوم بهذه الجريمة الدولية ، فيغتالنا ، بحجة تحرير بلد هو الكويت ، عملية إحتلاله ( طبخت بليل ) وسوغتها لصدام كل الدول التي شاركت بتحريره بعد ذلك ، كل من طرفها الخاص وبأسلوبها المبتكر ؟؟

يوم 1/ 8 / 1990 كنت أعمل مذيعة في تلفزيون العراق من بغداد ، بدأت العمل منذ الثامنة مساءا ، حتى الواحدة والنصف صباحا ، ثم أعادتني سيارة التلفزيون الى البيت .

كنت منهكة من التعب ، والحمل في شهره الثاني يرهقني بشدة ، غيرت ثيابي وتكاسلت عن غسل ماكياجي ، تمددت في السرير ، وأظنها 5 دقائق مرت فقط ، حين سمعت زوجي ينادي : ميسون .. إصحي الوقت ظهر .. والدنيا مقلوبة وأنت نائمة .

لم أهتم ،، منذ بداية حملي كنت معتادة على سماع هذا الموشح .. والنوم عندي عزيز بدرجة كبيرة ، إنقلبت في سريري ، لكني شعرت أن زوجي جالس بجانبي ، قال لي بلهجة غير معتادة : ميسون .. إصحي أرجوك .. الدنيا مقلوبة .. جيش العراق إجتاح الكويت .

بين مصدقة ومكذبة ، فتحت عيني وقلت : شنو ؟؟

قال : الجيش العراقي إجتاح الكويت ومنذ الصباح وحتى الآن ، تصريحات وبيانات ، والدنيا مقلوبة .

طبعا لم أصدق ، قفزت من السرير الى الراديو والتلفزيون ، فتحتهما ، وكانت الكارثة . زوجي يقول الحقيقة وهو لا يكذب علي .

قلت له : تقريبا لحد 2 صباحا كنت في التلفزيون ولم ألحظ أي شيء غيرعادي ، كيف إذن تم الإجتياح بعدة ساعات فقط ؟؟؟

بيتنا كان في المنصور ، خلف مطعم الساعة ، لبسنا على عجل وخرجنا الى الشارع ، الجو قائظ شديد الحرارة ، وأكثر من حرارة الجو إنفعالات الناس .

ذلك اليوم لم يكن عندي دوام في التلفزيون .. ولكن في حدود الساعة 8 مساءا ، رن الهاتف ، إدارة التلفزيون خبروني : بسبب الوضع الإستثنائي ، غدا عندنا إجتماع في التلفزيون الساعة 9 صباحا .

لن أكشف سرا مخفيا ، حين أقول إن دائرة الإذاعة والتلفزيون ، حالها حال غيرها من مؤسسات العراق ، كانت مليئة بعاهات وترهات كبيرة الحجم ثقيلة الوزن ، من لابسي الخاكي والزيتوني ، إبتداءا من فراش المؤسسة الى مديرها العام ، وهؤلاء كانوا مستعدين تماما لتملق أي مسؤول في الدولة من أجل إكرامية او ترقية وظيفية .

(( الزيتوني العظيم )) ، كنت أسميه رالف أمير الذباب ، على إسم رواية البريطاني وليم جيرالد جولدينج التي ألفها سنة 1954 ورفضت نشرها له أكثر من 20 دار نشر، وحين حصل جولدينج على نوبل للأدب عام 1983 ، تمت ترجمة روايته تلك الى العربية ... وقرأناها ، وأطلقنا أسم رالف أمير ذبابها .. بطلها ، على (( الزيتوني العظيم )) بطل الإذاعة والتلفزيون العراقية .

في تلك الأيام الغر الميامين قرر (( الزيتوني العظيم )) أن ( يطشرنا ) نحن مذيعي ومذيعات الإذاعة والتلفزيون على 36 محطة بث بديلة منتشرة في طول العراق وعرضه ، من أجل ، إذا إنقصفت عنده محطة بغداد ، يكون هو جاهز على التو واللحظة ومن 36 محطة بديلة للبث منها براحته ، والى أين ما تصل قدراته البثية .

فعلا كما يغني كاظم من كلمات نزار قباني وألحان فتح الله أحمد (( منين أجيب إحساس للي ما يحس ؟)) .

كافور الأخشيدي ، قصدي (( الزيتوني العظيم )) ورغم أني حامل ووضعي الصحي بمنتهى الحرج ، إلا أنه قرر يبعثني الى المحطة البديلة في كركوك ، ولسان حاله يقول : سبع بسامير بتوثيتي والعايف دمه يتقدم .

فعلا كما قال المتنبي :

لا تشتري العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد

مجموعة من زملائي وزميلاتي المذيعين والمذيعات كانوا معي الى بعثة كركوك ، حملتنا الى هناك سيارة الإذاعة ، وجدنا السيد مدير تلفزيون كركوك قد حجز لنا في أحد الفنادق ، ولم أكن مطالبة بالدوام ، لأن عملي الحقيقي كان سيبدأ عندما تقصف محطة تلفزيون بغداد ، وتقريبا قضيت كل الوقت نائمة في الفندق ، ولا أدري إذا وقعت الحرب .... أي معجزة ستفيقني عندها من نومي المرضي ذاك كي أقوم بعملي الإستثنائي !!!!!؟؟

الوقت القصير الذي كنت أذهب فيه الى تلفزيون كركوك ، لاحظت فيه أن المحطة تبث للكرد ، باللهجتين الكرديتين ، السوراني ، والبهدناني ، مع أفلام كارتون ونشرات أخبار باللغات العربية والتركمانية .

سائق الدائرة كان يأتي الى الفندق عند السابعة مساءا ليصطحبني الى التلفزيون ، هناك فتحوا لنا أستوديو طواريء لنستعمله إذا قصفت محطة بغداد ، وكنا نجرب أجهزة الصوت والصورة فيه ، وعند التاسعة مساءا ينتهي عملنا ، فتأخذنا سيارة التلفزيون لتناول العشاء في أحد المطاعم ، ثم العودة للنوم في الفندق حتى اليوم التالي .

كنت أفكر طيلة هذا الوقت ... هل الأمريكان ( أغبياء ) الى الحد الذي يقصفون لنا محطة بغداد ، ثم يسمحون لنا أن نبث من أي محطة أخرى سواها ؟؟

من هو ( الجاهل ) نحن أم هم ؟؟؟

لكني كنت أداة مسيرة ،، من قبل قيادة حكومة غبية ،، ومن قبل وصوليين يرتدون الخاكي والزيتوني ، يتزلفون للحكومة الغبية ، يبشرونها بمعجزات ( تشبه المدفع العملاق ) تصل مدياته من بغداد الى جنوب المحيط الهندي ، ويكتبون لها عنا تقارير ( أحد من حد الموس ) تذبح أعتى رقبه بلمح البصر ، ويمسخون لها رأي كل العراقيين ، نحن الذين تقع علينا مصائب الحروب ، بكل جورها وهمجيتها وحيوانيتها . وفي هذه المرحلة يجب ان نقرر وبعدالة تقربنا الى الله ، أنه اذا كان كل وصولي صار بعثي ... فليس كل البعثيين وصليون ، بل فيهم ناس محبة العراق والعراقيين لديهم مثل محبة أولادهم وأهلهم .

من نحن كشعب أو كعراقيين ؟ بنظر الوصوليين ؟؟ أكثر من مجموعة حيوانات ، لا تهش ولا تنش .. ولا..!!؟؟

القصة طويلة ومؤلمة سأنشر منها ما يخص ملجأ العامرية
لمن يريد قراءة القصة كاملة

بحثت عن مكان الإذاعة العراقية فقيل لي إنه في ملجأ واقع في العامرية قرب نفق الشرطة . الملجأ كان يستقبل الناس وجزء منه مخصص كإذاعة ربما تغطي دائرتها كيلو متر واحد من بغداد . بدأت أذهب هناك كل مساء ، أجلس بين الناس المحتمية بالملجأ وأنا أعرف أن لا حامي من الموت .. والملجأ الذي قصف علي في الموصل خير شاهد .


في إحدى الأمسيات وانا أدخل الملجأ ، سلم على ضابط دفاع مدني من أقربائي وخبرني أن ( السيد الرئيس محتمل يبات اليوم معنا في الملجأ ، لأنه البارحة قضى الليل في الملجأ المجاور لنا هو وضيفه بريماكوف ) . في تلك الأيام العصيبة كان بريماكوف يقوم بوساطة بين صدام والأمريكان ، لإقناع صدام بإعطاء أمر للجيش بالإنسحاب .. رغم القتال الدائر .


جلست في الملجأ على الأرض وأسندت ظهري الى الجدار .. ساكتة أنتظر الموت .


عند الرابعة والدقيقة 17 عمت حركة غير إعتيادية في الملجأ ، قمت وسألت عما هناك .. قيل لي : إن الملجأ القريب منا والذي كان صدام نائما فيه البارحة قد تم قصفه . وفي تلك الدقائق إنطلقت سيارة من الإعلام الى موقع الحادث أصررت على مرافقتها .


وصلنا في أقل من 5 دقائق الى المكان حتى من قبل وصول فريق الدفاع المدني ، عند توقفنا ، رأينا سيارة عسكرية قادمة ، نزل منها صدام وبريماكوف لتفقد الموقع الذي كانا ينامان فيه مطمئنين الليلة البارحة ، وقد اصبح محرقة لما يقارب 2000 إنسان إشتعلوا الى حد التفحم .


حين فتح الدفاع المدني الباب وبدأوا بإخراج المتفحمين ... فإنك تنسى كل صور البشاعة التي شاهدتها ولكن من المستحيل أن تمحى من ذاكرتك رائحة الشواء البشري المتفحم .


جريمة قصف ملجأ العامرية ، جريمة أرتكبت بدم بارد ، ولم تقع عن خطأ ، وإنما عن تصميم مدروس . بريماكوف كان يفاوض صدام نيابة عن الأمريكان حول الإنسحاب ، وصدام من موقعه كقائد كان يتصور أنه يمكن ان يعطي أقسى الخسائر دون ان ينسحب .


حين قصفوا له ملجأ العامرية الذي كان ينام فيه البارحة ، قالوا له بفجيعة من حريق : إترك وهم القيادة ، فهذه الحرب ليست أكثر من لعبة بالنسبة لنا ، وحتى تعرف جودة لعبنا لها ، تفرج بعينك على وهم المكان الآمن الحصين الذي كنت تنام فيه الليلة الماضية .


بعد يومين ،، أعطى صدام أوامر للجيش بالإنسحاب ، فتقهقرت القوات العراقية تاركة سلاحها في مكانه ، ومن إستطاع ركوب سيارة أو عجلة ، عاجله القصف على الطريق ، ومن لم يتمكن .... عاد مشيا على قدميه .


الخنادق التي شاهدتها بعيني ممتدة من المطلاع حتى طريق الأثل ، مات فيها بلا قيمة موتا أسودا نصف مليون جندي ... ويعلم الله كم من الإبل والأشجار .


حين أنسحب الجيش العراقي من الكويت ... تم تفجير آبار النفط الكويتية ، ربما فجرها العراقيون مثلما قيل ،، وربما والله أعلم ، فجرتها القوات المتحالفة لتحرير الكويت ... فشركات إطفاء وتصليح منشآت النفط الأمريكية بحاجة الى عمل في هذه الحرب ، عمل تدفع أجرته حكومة الكويت .


بعد قصف ملجأ العامرية صارت الناس تبقى في بيوتها ولا تذهب الى الملاجيء ، بعد يومين من إعطاء أمر الإنسحاب ، كنت في البيت ، عند الثانية والنصف ظهرا ، أظلمت الدنيا ظلاما دامسا بفعل سحابة دخان كثيف أسود قادم من الكويت من آبار النفط المشتعلة ، وأمطرت السماء علينا مطرا أسودا حامضيا جلل بسخامه كل البيوت .

لوحة زيتية أخرى من لوحات الحرب تسخر من كل أعمال بيكاسو وسلفادور دالي ترسم صورة رمزية للسفالات التي يتعرض لها المدنيون العزل في زمن الحروب التي لا داعي لها .

تمددت في السرير لأنام نوم هروب من الواقع الثقيل جدا .. محتضنة الروب السمائي الذي كان يلف وليدي منذ لحظة ولادته حتى لحظة موته ،، ورأيت نفس الحلم الذي رأيته في ملجأ الموصل عندما أقفل علينا .. شمس ساطعة وانا أتمدد في خندق بين خنادق الجنود وهذه المرة أحمل قاذفة على كتفي أرمي بها على السماء ، وطائرات قاصفة ترمي علينا قطعا من حديد تنفجر متحولة الى أمواس تذبح الإبل والجنود فتتصاعد منهم نوافير من الدم .

بعد 45 يوم من الحرب أعلن وقف العمليات العسكرية ،، كنت مهدمة تماما وأبحث عمن يقتلني . فقلت عل وعسى تقصف الإذاعة مرة أخرى .

ذهبت الى دائرة الإذاعة والتلفزيون في الصالحية فرأيت الطائرة القاصفة قد حولت لنا مجمع البث الى ذرات تراب متناثر وحفرة عمقها 15 متر ، فإتصلت بزملائي في الملجأ ، عندها رأيت الأستاذ سامي مهدي الذي أبلغني بالتواجد ذلك اليوم في بناية التلفزيون التربوي في الأعظمية لأن فيه الأستوديو الوحيد الذي لم يقصف في كل العراق .

كنا أربعة فقط : المدير العام ، والمخرج ، وفني الصوت ، وأنا ، إفتتحنا البث من التلفزيون التربوي عند السادسة مساءا ، بغداد كانت غافية في ظلام وليس فيها كهرباء ولا أدري لمن كنا نبث ؟؟

القصص المهولة عما كان يحدث في المحافظات الجنوبية كانت قد وصلتنا رغم عدم وجود إتصالات ، وكان المتوقع أن تقع نفس القصص في الشعلة والثورة وبقية المناطق التي تسمى ( أطراف المدينة ) .

وعلى قدر ما كان ذلك يثير خوفي .. على قدر ما كنت أتمناه .

كنت أبحث عمن يقتلني .. لأن زهوي الإنساني وبعد كل ما حدث كان قد مات .

ذلك الأسبوع من العمل مع الأستاذ سامي مهدي .. يهددنا خطر مجهول لا تدري من أين سيأتي .. أو كيف سيأتي .. حملني إنطباعا رائعا عن إنسانية هذا الرجل .. إنطباعا يجعلني أقرر : أنه لا يمكن أن يكتب الشعر .. إلا إنسان .

عند الثامنة مساءا كنا نقفل البث . وتحملنا سيارة التلفزيون نحن الأربعة الى بيوتنا ، وبقينا نمارس هذه العملية يوميا لمدة أسبوع ، بعدها إزدات فترات البث ، وصار واحد من الزملاء المذيعين يأتينا يوميا من ملجأ الإذاعة لقراءة نشرة الأخبار .

في نهاية الأسبوع الثاني تمت إعادتنا الى الصالحية بعد تجهيز الاستوديو القديم الذي كنا هجرناه منذ العام 1976 .

بعد 20 يوم من إعلان وقف العمليات العسكرية ، كنت في البيت حين سمعت صوت مفاتيح تدورعند الباب ، ذهبت أركض ، أنفتحت الباب ، ودخل زوجي ، نظرنا الى بعضنا ومن دون أي كلمة .. بدأنا بالبكاء ، بقينا حوالي شهر .. كلما نظرنا بوجه بعضنا نبدأ بالبكاء . فقد إنهار الوطن .. ومات العراق .

توسل بي زوجي أن أراجع طبيبتي النسائية الأستاذة الدكتورة عفاف صائب شوكت الجبوري ، قال لي إن حالة الهزال والإرهاق التي أنا عليها ليست طبيعية الى حد بعيد ، لكنه كلما حدثني عن ذلك أذكر إبني وأبكي ، وأرفض العلاج .

أتصل هو بالدكتورة وأخذ لي موعدا وأجبرني على مصاحبته الى هناك ، دخلنا العيادة قبل وصول الدكتورة ، وفي موعد وصولها عم هرج ومرج في العيادة ، الدكتورة عفاف ... أم أيمن الغالية .. ماتت بنوبة قلبية مفاجئة عند باب عيادتها ، وهذه النوبة كانت قد قتلت الكثير من العراقيين نتيجة صدمتهم بالحرب .

ترى يا أم أيمن ... ماذا رأيت أكثر مما رأيت أنا .. لتموتي وأبقى أنا حية ؟

بعد أقل من عام مات أخي وزميلي وصديقي مقداد مراد ، بعد صراع مرير مع المرض الخبيث الذي ظهرت عليه أعراضه بعد أسبوع واحد من قصف ملجأ العامرية .. حيف على ذلك الشباب والوسامة يا أبو ديار يضمك قبر .. وتبقى الحياة للناس العار .

بعد عدة أشهر من رحيل أبو ديار .. لحقه أخي وزميلي وصديقي الآخر رشدي عبد الصاحب .. غادرنا أبو وسام ، كواحد من خسائر الحرب غير المنظورة ، بعد أن أمضى عمره كله في الإذاعة ، كنا نعده عمدة التلفزيون .. والآن راح العمدة .
أعدت ( ما تبقى من الدولة ) قوائم لعق جراح الحزبيين والمواطنين ، تحت تسمية : أنواط إستحقاق ، أو انواط شجاعة .

أحمد الله لم يلحقني شيء منها ... وإلا ماكنت سامحت نفسي لو قبلت دية وليدي .. حتى لو كانت دية رغم أنفي .

الزيتوني العظيم .. رالف أمير الذباب .. إختلف مع الدولة على عدد أنواط الشجاعة والإستحقاق الممنوحة له ، غادر العراق في إيفاد .. ومن هناك الى أمريكا . هو حاليا مواطن أمريكي .. واحد من كبار من ينادون بإجتثاث البعث .

رجل يعرف من أين تؤكل الكتف .. لذلك قدرها جيدا ، أول رؤيته الثقب في قاع مركب البعثيين ، غادر المركب وركب موجة جديدة . ولو كانت هناك عدالة ، فهو وأمثاله من البعثيين أو غير البعثيين ، يستحقون إجتثاثهم من الإنسانية ضربا بالأحذية ورجما بالنعالات .

فقدت إحساسي بالجمال .

فقدت إحساسي بالمتعة .

فقدت إحساسي بالسعادة .

الحياة ليست نعمة ، ولا هي نقمة ، لكنها تبقى مكان للعمل على أي حال .

وبهذه الروحية والمشاعر سأدخل الى عهد الحصار الذي أعقب الحرب . ومنه الى عهد التشرد بالغربة عن الوطن .

ولم أزل حية .

كم هي معذبة هذه الحياة .. وعليك قبولها مرغما .. شاكرا
http://www.iraqsnuclearmirage.com/articles/Black_Rain_Maysoon%20AlBayati.html

إرادة الجبوري: في غابة العذاب الأبدي / حسين سرمك حسن

د. حسين سرمك حسن
(رأيتهم وهم يرفعون الأشرطة اللاصقة من على النوافذ والأبواب، وهم يزيلون الغبار وشظايا الزجاج (من يلملم ما تشظى في داخلنا؟
(إرادة الجبوري) / قصة (رماد ندي)




(ردّ الفعل الوحيد.. على قبر طفل.. هو أن ترقد قبالته وتدّعي الموت)
الشاعر الأمريكي (بيل نوت)

كنت أود أن أجعل عنوان هذه المقالة تساؤلا هو: أين أصبحت إرادة الجبوري؟ لكنني خشيت أن يرتد سهم التساؤل إلى صدر تقصيري في ملاحقة أعمال هذه القاصة العراقية المهمة، التي كتبت عنها في التسعينات دراستين عن قصتين رائعتين لها في إطار أدب الحرب الكبير الذي يُكتب بعد الحرب، وهما " على الجسر " و" لاشيء سواها "، والأخيرة، وعلى مسؤوليتي، يمكن أن تصنف ضمن أدب الحرب العالمي. حصلت مؤخرا على آخر مجموعة قصصية لإرادة صادرة عام 1999عن إتحاد الكتاب العرب، وعنوانها هو "في الغابة ". ضمت المجموعة ثماني قصص من بينها القصتين اللتين ذكرتهما وكتبت عنهما سابقا. القصص الأخرى هي: همسة لا مبالية، هو رأى أيضا، رماد ندي، فراشات ضالة، في الغابة وغبار المدن. وفي هذه المجموعة تطالع مقدرة متميزة في كتابة القصة القصيرة، لكاتبة صعدت سدّة السرد باقتدار، وأمسكت بشروط بناء النص القصصي بإحكام. ولعل من الميزات المهمة في كتابة إرادة الجبوري هو إخلاصها لموضوعة الحرب التي خربت بلادها وأجهضت آمال شعبها. الحرب التي قلت مرارا أن المثابرة العزوم على معالجتها التأملية الهادئة – بعيدا عن الزعيق التعبوي الفج – يشكل واحدا من المفاتيح المهمة في النهوض بالإبداع العراقي نهوضا شاملا، مثلما تسببت في نهوض الأدب في البلدان الأوربية. وحتى في نصوص المجموعة التي لا تعالج آثار الحرب التي مزقت النفس البشرية بصورة مباشرة، نجد شبح الموت والخراب قد استولى عليها. ومن المفروغ منه بالنسبة لي أن الأدب العظيم هو ابن الموت وربيبه وسادنه. الأدب هو أرقى عملية نفسية دفاعية بوجه الموت. وإلا فاذكر لي أي عمل عظيم في تاريخ الإنسانية لم يكن الموت محوره ومفتاح تألقه وتاج وقائعه: أوديب الملك؟ هملت؟ الأخوة كرامازوف؟ الحرب والسلم؟ الأحمر والأسود؟ أولاد حارتنا؟ أم المسرات والأوجاع؟. في قصة " رماد ندي " تستهل القاصة النص بصورة هادئة ومتوازنة: (تستيقظ المدينة بخجلها المألوف، وأستيقظ قبلها. أقف عند النافذة المطلة على الحديقة. أراقب تغيرها اليومي البطيء. أتذكر أني نسيت تقليم الرازقي والروز. أؤجله إلى الموسم القادم – ص 23). ثم تستعرض حركة الحياة الرخية المسالمة وهي – والقصة تحكى بضمير المتكلمة كما هو حال الغالبية المطلقة من نصوص إرادة القاصة – تسير من بيتها إلى موقف الباص تلاحقها قطتها البيضاء. وفي موقف الباص الذي تجعله القاصة أنموذجا مصغرا لحياة المدينة الخجلى، توزّع مشهدية الحركة اليومية على مجموعة من الشخوص: الأصدقاء الصغار الثلاثة، الرجل الهرم، الذي لا يجرؤ أحد على الجلوس في مكانه، والأم التي تحمل صغيرها، والفتاة الشاحبة التي تنتظر حبيبها الشاب الأسمر، والباص وسائقه المرح الذي يغني أغنية عراقية حزينة.. وهي – الراوية – التي تجلس في مكانها المعاد قرب نافذة الباص.. مستعيدة ذكرى خراب تجربتها الأليمة التي أوقعتها في مصيدة انتظار مديد ومتطاول. ومن سمات إرادة الإسلوبية المهمة هي " اللايقينية " التي تضعك وسط دوامتها. لا إفصاح مباشر ومطلق.. دائما تقدم الخيبة في صورة جرعات مترددة.. وعدم وضع حدود سردية توصيفية قاطعة يجعل أنموذج الخراب يتسع.. ويتسع ليشملنا بعطاياه: (لم أودعه. أعرف أن الأمر كان قاسيا عليه مثل قسوته علي. لم أرغب في أن يكون وجهي آخر شيء تقع عليه نظراته وهو يغادر. كنت أخشى إحساسي بأنني لن أرى الشخص الذي عرفت بعد تلك اللحظة، وأنه لن يكون نفسه عندما يعود. وكان يعي ذلك تماما – ص 25). هذا التحسب المسبق من خراب غير مؤكد لكنه يقيني يشيع في نصوص الكاتبة، ولا يمكن فصله عن حالة الفقدان الوشيك السوداء التي تثيرها الحرب في النفوس. كل ما هو قائم زائل لا محالة.. وكل ما هو قابل للتوديع، قابل لعدم العودة وللرحيل الأبدي. الحرب (تجعل الانتظار تعويضا عن غياب الأمل – ص 25). جعل الغياب حياة الراوية محكومة بمعادلة شائكة، ومعقدة.. تسهم في إرباكها إرباكا مستعصيا تفر فيه من الرمضاء إلى النار كما يقال: (كان علي أن أخوض معركة التمسك بالانتظار لحمايتي من السقوط في مستنقع الإنسجام مع الخارج والتسلّح بسلاحه: الخطيئة – ص 26). لكننا لا نلتفت إلى خطيئة من نوع آخر ؛ خطيئة عدم التوديع - في عيادتي الطبية راجعتني زوجة شهيد مصابة بالاكتئاب الشديد تكرر باستمرار: لماذا زعّلته في آخر إجازة؟ -. في الحرب فقط تصبح لأدنى الأفعال الإنسانية قيمة، ولأتفه التصرفات معان وجودية كبرى. الأصدقاء الصغار الثلاثة والرجل الهرم والمرأة الحامل والفتاة الشابة و.. و.. وكلهم رموز يومية أخفت بريقها الاعتياد والرتابة.. وصدئت معانيها الرمزية.. ولا قيمة لأي منّا من دون التأويل الرمزي الذي يقوم به لاشعورنا في مشغله المهيب الملغز. الحرب هي التي تضفي القيمة الرمزية اللاشعورية الحاسمة على كل الموجودات وخصوصا المحتقر منها. وحين تحضر الحرب تتوهج الحياة مفعمة بقلق الفقدان. الفقدان الذي يجعلنا نلتفت وبقوة عاتية إلى موضوعة الوحدة، وأننا ولأول مرة بحاجة إلى آخر.. إلى آخرين: (وحيدة أنتظر، يوما وآخر ولم يأت أحد: المرأة الحامل.. الصبيان الثلاثة.. الفتاة الشابة.. الشاب النزق.. الأم.. طفلها.. لم يأت أحد. وحيدة كنت. لقد حضرت الحرب – 27). وجملة (لقد حضرت الحرب) تعني الغياب المؤكد والمهدد لكل شيء.. حتى أكثر الأشياء رسوخا في عمر الفرد. حضرت الحرب.. حضرت الغولة التي ستلحس كل شيء.. حتى الطيور صارت سوداء من الدخان وغيوم الانفجارات وتنطلق متخبطة مع كل صافرة إنذار. ولا موعد ثابتا لأي شيء في الحرب عدا الدقة المدوّخة والمباغتة لمواعيد قطار الموت السريع. لعبة الفقدان هذه، اللعبة العشوائية جعلت الراوية تبتكر لعبتها الخلاقة التي تهدهد قلق الموت المشتعل في أعماقها. في الحرب يغيّر الموت الوجوه.. يغيّبها.. يبدلها.. يعكسها.. يشوّهها.. يقلبها كيفما يشاء.. فلم لا تلعب لعبته لتثبت رهاوتها – وهي هشة مهما كانت محكمة إذ لا عاصم من أمر المثكل –، لعبة في " الخلق " ؛ خلق تركيبات بشرية جديدة حتى لو كانت متخيّلة: (بين صافرة إنذار وأخرى تمتد مساحة طويلة من انتظار وجوه أحببتها، وها أنا أفتقدها. أبحث عنها في وجوه الجنود. تخيلت قصصا عنها وقرابات يمكن أن تربطها بهذه الوجوه: صاحب هذا الوجه، مثلا، يمكن أن يكون أبا لذلك الطالب. هذا الرجل الرصين يمكن أن يكون زوجا لتلك المرأة الحامل.. و.. و.. بدأ الأمر لعبة آنية وأصبح حقيقة – ص 28). وهكذا تبدأ كل المهالك الكارثية في الكون.. بكلمة.. بتحد.. بلعبة عابرة ممتعة تصبح كابوسا مدمرا.. ولعبة كانت مماهاة شخص الراوية التي فقدت حبيبها بالفتاة التي كانت تنتظر فتاها الشاب الأسمر الذي يقابل فقيدها الذي لعبت معه لعبة الإنتظار.. لكن من أين تستحضر وجه حبيب الفتاة البديل الحالم؟ من بين وجوه الجنود.. وهي وجوه غير حالمة بل حرم عليها الموت الحلم الهاديء الشفيف.. (الحرب والأحلام: كيف يمكن أن يلتقيا؟ - ص 28). عيون الجنود الذين كانت تنتظرهم وتراهم عيون غائرة بلا بريق لا تنتظر سوى الموت. لكن المشكلة التي لم تنتبه إليها إرادة هي أنه في ظلمات الحرب يشتعل بياض الأحلام.. وما قصتها إلا حلم وجيز شديد البياض.. مثلوم الإيحاءات.. يعجز عن ترصين إرادة الخلود التخديرية في نفوسنا.. رغم كل مهابته المقاومة التي يحاول ترسيخها في نفوسنا. في (على الجسر) لا يمكن أن يحبس القاريء دموعه الساخنة وهو يحاول فهم سرّ انقباض روح " البطلة " – ونحن نسميها البطلة رغم انكسارها، البطل هو من يحاول تحقيق رغباتنا اللاشعورية حتى لو انهزم وانكسرت إرادته – أو انكسارها وهي تصدم برحيل " البطل " / القائد في قصة " ولا شيء سواها " الذي جعل حياة وموت رفاقه " قرعة ".. لعبة يانصيب !!. والختام الدامي.. الخراب الإنساني الكبير.. الدرس الفاجع.. هو الذي تغيب فيه القاصة المبدعة انتباهة بصيرتنا النقدية وتستدرجنا إلى موقع مستنكر لأنه مراوغ االتنكير.. هو الإبداع.. الذي تقدم القاصة وفقه ختاما لقصتها لا يضاهى.. ختام الخراب وحطام النفوس الجريحة المحطمة التي يتأجج فعلها في نفوسنا من خلال لعبة " اللايقينية " المناورة.. لعبة رجراجة لا تتيح لك الإمساك بحق حافات خرابها المسننة.. ولا بباطل هذايانات أحلام التعويض عن خسائر الإحباط.. ختام لا يغني عنه سوى ذكره وتسطيره: (يصعد الجميع. تتخذ الفتاة المتشحة بالسواد مكاني عند النافذة. أقف عند الرصيف. أرى أناملها تمسح ضبابا أسود غطى النافذة. نظرتْ إليّ من خلاله. تبادلنا ابتسامة هادئة متفهمة امتزجت مع رماد الندى، فأتت حنونا معتقة. تحرك الباص. ألتفت إلى الوراء. يبتعد الباص. يتلاشى. أعود بانتظاري وأجلس في مكان الرجل الهرم – ص 33و34). من ودّع من؟ من اختار لعبة الانتظار المميتة عرفانا لغياب؟ ما معنى أن تخطف الحرب حبيبا لك.. وتجلس في موقف باص الحياة المهزومة تركّب وجوه خساراتك المجيدة ؟.. هكذا نصحو.. على ضربات أنامل إرادة الساردة الناعمة لكن الجارحة.. جارحة بأظافر توغل في نفس المتلقي كخنجر وداع صغير ينغرز في القلب المهجور.. يهتز وجداننا.. ونعود لنتدفأ – ولأول مرة – بالرماد الندي.. الآن اتضح معنى الرماد الندى.. ولا ثريا لنص قبل استيعاب الصورة الكلية للنص. قد يعتقد البعض حين يطالع العنوان أنه تجسيد لبقية من حياة وأمل تلوب في أحشاء الرماد.. لكن الآن – وعند الختام - يعكس العنوان حالة الخراب الشاملة وجفاف الآمال الحارق الكامل.. تجلت مضامين الرماد ؛ إنها رماد الروح التي مزقتها الحرب فأدمنت لعبة الإنتظار التي يمل منها حتى غودو طيب الذكر. إنتظار غودو مفتوح على معنى حتى لو كان ذاك المعنى هو معنى اللاجدوى والخواء. لم يخسر أبطال بيكيت أحبتهم وقططهم البيضاء.. هنا – في الخاتمة – يغطي الرماد " الندي " جسد الحياة ويكتم أنفاسها: فالأدغال والأعشاب اكتسحت الحديقة بفعل الإهمال.. كيف تهتم الرواية بحديقة بيتها الصغيرة.. ولمن؟ مادامت حديقة الحياة الأكبر قد أحرقتها الحرب؟.. الوجوه المألوفة لا مبالية.. الأم الحامل تصل بدون طفلها.. مكان الرجل الهرم فارغ.. الفتاة المنتظرة متشحة بالسواد.. الشاب النزق الذي كان يعاكس جمالها صار يخجل منها.. للسواد جلاله ومهابته.. سائق الباص المرح صار يغني الأغنية المرحة بنبرة حزينة.. في حين كان في السابق يغني الأغنية العراقية الحزينة بمرح. والآن صار في الباص فعلا أماكن فارغة تكفي الجميع. أما في قصة " فراشات ضالة " فإن الكاتبة تعود إلى الضرب على وتر الخراب الذي ضربت عليه من قبل في قصة " على الجسر ". فإذا كان القاريء لا يجد سوى شهقة في الروح يتعاطف بها مع بطلة " على الجسر " المنذهلة المثكولة بالموت وتداعيات الرجل المتصدع الذي عجز عن انقاذ طفله من محرقة ملجأ العامرية بسبب الأوامر، فإنه لن يشعر إلا ودمعتان ساخنتان تسيحان على خديه وهو يلاحق حائرا الكيفية التي تتهشم فيها روح بطلة قصة " فراشات ضالة " مثل لوح زجاج لا أمل في إعادة إلتحام أوصاله أبدا. " كل ما بيننا انتهى، ويجب أن نفترق ". هكذا ومرة واحدة. ولكن البطلة تتدرب على هذه الكلمة منذ أسابيع كي تمهد لانفصالها عن حبيبها !! وهنا مربط الآلام المبرحة، فالمران على كلمات الإنفصال يعني قوة أواصر الحب وسطوة حضور المحبوب. يتجلى هذا التمزق النفسي الموجع في أنها لا تستطيع إطلاق عبارة الفراق مباشرة، بل تسجلها على " شريط "، تسمعه فتنكر أن يكون الصوت صوتها. صوت الهجران القسري يأتي قبيحا ولا يرتبط بها. ومع دوامة عذابات هذه الإنسانة المعذبة نلوب معها ولا نعلم ما بها حصرا. (لا الصوت صوتها، ولا الذات ذاتها. أرعبتها هذه النتيجة التي حاولت عدم مواجهتها منذ زمن بعيد لم تعد تتذكره. كانت تتهرب من ذاتها أو مما تبقى منها وتؤجل التوقف عند أطلالها. شعرت بالألم يعتصرها وكأنه مدية تخترق أعصابها بهدوء ومهارة – ص 48). إن أبشع حالات العذاب النفسي حدة تحصل حين تفلت من المرء فرصة إنقاذ روحه. ويشعر، فوق ذلك أن حتى الله قد تخلى عنه. تتساءل المرأة: " لمَ لمْ أنقذ روحي؟ يا إلهي لمَ تخليت عني؟ - ص 48 ". لقد رُميت بلا رحمة خارج الدائرة البيضاء التي تسمى الحياة ولم تقع بعد في الدائرة السوداء المسماة بالموت. وهذا هو العذاب بعينه. كان بإمكانها – سابقا – أن تتخلص من أعباء الماضي وثقل الحاضر الخانق بتقنية أسمتها " الصمت الأزرق " ؛ أن تسترخي على سريرها وتركز على نقطة في سقف الغرفة فتشعر بأنها أخف وزنا وأن روحها تفيض بها.. تخرج من جسدها وتحمله إلى مديات غير مرئية. في تلك اللحظات تشعر بأنها لا تسير، بل أن خطواتها تمتزج كليا بالهواء.. مثل فراشة، كانت سعيدة – ص 48و49). لكنها الآن تختنق في لجة " الصمت الأسود "، الذي تغوص فيه بفعل ثقل حمولة معاناتها. كانت فراشة سعيدة لكنها الآن فراشة ضالة. في أيام الصمت الأزرق الرغيدة , وطوال أيام الحرب المدمرة، كانت تلعب مع حبيبها لعبة السعادة المستعارة. فقد كان الموت يحاصرهم من كلّ جانب، ويشعرهما بعبثية البقاء وهشاشته التي لا تصدق، فتنهار هي تحت وطأة هذه الحقيقة الصادمة، ويقوم هو (بدور المفسر للأحداث والوقائع على نحو معاكس تبدو معه كلّ الأشياء ممكنة وذات معنى، وبلمسة الحب السحرية – كما يسميها – يستأجر لروحها السعادة – ص 49). وما أن تمضي أيام حتى ينهار هو، فتلجأ هي بدورها إلى حقن روحه المتعبة البائسة بجرعات الحب التخديرية كما يفعل هو. لكن سرعان مايزول مفعول المخدر تحت لطمات الصواريخ المهلكة التي توقظهما بأسرع وقت ليختنقا من جديد برائحة الدم. هذه اللعبة دفاعية وتخديرية ولذا فهي لا تصمد أمام واقع الموت المجاني. لا يوجد في الحياة البشرية أي آلية نفسية دفاعية تصمد حتى النهاية في وجه حقيقة أننا الحيوانات الوحيدة التي تموت، وأنها تدرك بأنها لابدّ أن تموت حسب تعبير " فولتير ". لكن الأشد قسوة هو أننا، في الحالات العادية نعتقد أننا لا يمكن أن نموت، لأن لاشعورنا عصي على الفناء ؛ قد نعترف بموت الآخرين، ولكننا لا نقر بفنائنا الشخصي إلا في لحظات التأسي العابرة على الآخر الذي خسرناه. لكن عندما يخيم شبح الحرب، ندرك بشكل لا غبار عليه أننا " يمكن " أن، بل " قد " نموت حتما. وبهذا تكون لعبة حقن السعادة المستعارة بالعقلنة أو بجرعات المخدر العاطفي، عبارة عن عملية هروبية يائسة. (انشغلا كليا بالهرب ولم يتصورا أن الخراب ينتشر كالغبار، ويعلق بكل شيء حتى بروحيهما. منصهران معا، كانا يشيدان سعادتهما فوق أرض من الجثث – ص 49). ويبدأ الخراب المشترك، مثلما يبدأ التفاهم المشترك، بأداة التواصل ؛ اللغة. من بين أول علامات الخراب هو عندما تعجز المفردات عن وصف ما يحصل لك من تمزق وانكسار. (منذ متى افتقدت سكينة الروح؟ لا تتذكر جيدا، لكنها بدأت تعي ذلك عندما أصبحت الكلمات بينهما جثث تنخرها الذكريات الموجعة عن أيام أوهما فيها روحيهما بالسعادة – ص50). هنا يصبح الفرد مثل "الزومبي " الذي غادر العالم الأسفل إلى العالم الأعلى.. يمشي ويتحرك.. ولكنه لا يتكلم. وحال العراقيين الذين عاشوا الحرب العالمية الثالثة في عدوان 1991 هو حال الزومبي. يمشون ويأكلون ويتنفسون ولكن لا أحد منهم – حتى مبدعيهم شُلّوا – قادرا على الإفصاح عن وجه الموت الذي واجهه، بل احتضنه. ولهذا قلنا أن أدب هذه الحرب يُكتب بعدها، بعد أن تعود الحياة في أوصال جثث المفردات.. ويستعيد الكاتب قدرته على السيطرة عليها والتلاعب بها. وحال الكثير من العراقيين عقب تلك الكارثة الفاجعة يذكّرنا بحال شخصيات الحكايات الأسطورية التي تدخل مغارة الموت ثم تخرج مشبوحة العيون، فاغرة الأفواه، جامدة التعابير، وقد فقدت القدرة على وصف ما شاهدته. وعلى هذا الوجه الشبحي حاولت الفتاة وحبيبها وضع " قناع السعادة " كجزء من محاولة مستميتة للتكيّف مع حركة الحياة القاسية التي لا تعرف الرحمة ولا تواسي أحدا. وفي الليل.. وحين تخلع هذا القناع الزائف ليلا، ويظهر الوجه الشبحي.. وجه الروح الممزق العاري على حقيقته تتأكد من أنها لم تكن تلعب إلا لعبة للنسيان ولنيل رضا الآخرين.. لعبة تنهك روحها وجسدها نهارا، ولا تجد من سبيل للسيطرة على نتائجها المؤرقة ليلا بغير الأقراص المهدئة. لكن حتى هذه الاٌقراص كان مفعولها مثل مفعول لعبة السعادة المستأجرة أو لعبة قناع السعادة أو حقنة مخدر الحب.. كلّها وقتية وليست في واقعها أكثر من خداع للذات.. لا خلاص دائم.. هؤلاء هم ضحايا اضطراب بشع نسمّيه (عقبى الشدائد الفاجعة – posttraumatic stress disorder) وأفظع ما فيه هو أن ذكريات الكارثة تلصق بذاكرة الضحية من ناحية وتستثيرها أبسط المؤثرات من ناحية أخرى. لكن أي شدة فاجعة هذه التي تطاردها؟ إنها كارثة العصر وجريمته، جريمة ملجأ العامرية التي تلاحقها حتى وهي مسترخية بين ذراعي حبيبها: (وهي بين ذراعيه تنبثق صورة ذاك اليوم الذي اندفعت فيه إلى النهاية، هربا من أصوات الأطفال المختنقين المحاصرين بالموت في ملجأ العامرية وبكاء الأمهات وجزعهن.. عويل سيارات الإسعاف والإطفاء المتأخرة.. الصرخات.. أصوات قرع المحاصرين على الأبواب.. قرعهم وهو يخبو (يأسا).. الاستغاثات وهي تستسلم لصمت الموت – ص 51). كان يكفي أسرى الحرب لكي ينفجروا وينهاروا بعد سنوات طويلة من عودتهم، أن يطلب منهم موظف في دائرة رسمية الوقوف في طابور !! بعضهم تشكو زوجاتهم من نومهم على الأرض وليس على السرير، ومن دخولهم التواليت دون أن يغلقوا الباب !!. تصبح التفصيلات اليومية البريئة أدوات تذكّر بسنوات العذاب. جحيم ضحايا عقبى الشدائد الفاجعة هو أن الحياة عندهم تصير بدقائقها علامات على الحضور الطاغي والمؤكد الوشيك للموت !. كل شيء يوقظ أشباح الخراب التي احتلت مساحة هائلة من نفس الضحية. ولكن ما تعيشه المرأة لا يمكن وصف مرارته ورهبته، فهو يمثل أعلى أشكال هذا الاضطراب، ويتمثل في أن أي لحظة متعة حبية، أي التحام بحبيبها صار يُفسد بفعل اقتران ملذات الحب الملتهبة بأسوأ ما في صور مذبحة ملجأ العامرية من بشاعة ووحشية. فحين تداعبها شفتاه تنتصب في فسحة خيالها صورة طفل يحتضر متماهية مع الطفل المحترق.. أما وشوشاتها الغرامية بإذنه فتلتحم فورا بعويل الأمهات المثكولات.. و.. (أنها لا تستطيع إلا أن تتخيل طفلا يحتضر بينما كانت هي تنعم بمداعبة شفتيه.. عويل النسوة ووشوشات حبها بأذنه، ونعومة كفه على عنقها، والنيران تبتلع أجساد الرضع محولة إياها إلى فحم. ومثلما فقدت أقراص المنوم والمهدئات قدرتها على طرد الذكريات، أصبح يفجعها افتقاد السلام الروحي بعد احتدام جسديهما، وتمسكهما بقناع السعادة حتى وهما معا – ص 51). (وللمعلومات.. وبعد عدة سنوات قامت الدكتورة مها يونس ببحث على الأطفال العراقيين في منطقة العامرية من أصدقاء الأطفال الذين أحرقتهم الولايات المتحدة في الملجأ فوجدت أنهم يعانون من أعراض نفسية مرضية كثيرة.. والأهم أنهم عند ذهابهم إلى المدرسة يتجنبون أي شارع يمر بالملجأ ويعيد إلى أذهانهم ذكرى أصدقائهم المغدورين والراحلين حرقا، أما الطبيب العراقي محمد العبودي اختصاصي الطب النفسي فقد وجد أن عائلات ضحايا ملجأ العامرية يعانون من اضطرابات نفسية شديدة بعد سنوات من المحرقة). وتحصل نقلة خطيرة جدا حين تتوسع لعنة الخراب لتغلف النظرة الوجودية للمرأة إلى الحياة ومعنى أن تعيشها ؛ وأن تتساءل عن قيمة أي شيء في البيئة التي تحيط بها مهما كان هذا الشيء بسيطا مثل غصن شجرة المشمش التي كانت تحبها حين تغطيها نتف الثلج فتبدو براعمها البيضاء كفراشات ضالة. أفسدت الحرب كل معاني الجمال في حياتها، ولم يسلم منها حتى غصن شجرة المشمش الذي قطعه لها حبيبها من شجرة بيت هجره أهله بسبب القصف وهطول الأمطار السوداء. ففي الوقت الذي كانا يحتفلان فيه مع شجرة المشمش، كان أحد الطيارين الأمريكان يرش الموت على مجموعة من الجنود المحاصرين لأنهم حاولوا إسقاط طائرته بأسلحتهم الخفيفة وقد أثارهم خيلاء الطائرة المرتبط بإشاعة الخراب والموت. (حتى شجرة عيد الميلاد شبّه أحد الجنود الأمريكان في رسالة لأمه شعلتها بالحرائق التي أحدثها في جسد بغداد !!). لقد عمّ الإرباك حياتيهما إلى الأبد وركبهما الشعور بالذنب في أبسط التصرفات الحياتية. فعندما وصلا البيت حاولا الانشغال عن مواجهة أحدهما الآخر وكأنهما قد ارتكبا إثما كبيرا ولا يقوى أي منهما على النظر في وجه الآخر، فذهب ليسقي الحديقة برغم أمطار اليوم السابق !!. لقد وصلا إلى نقطة اللاعودة بعد أن أصبح الموت وإثم البقاء ينام بينهما في الفراش ويشاركهما في كل شيء. و" إثم البقاء – survival guilt " ليس وصفا سرديا مجازيا لعذاب نفسي متصوّر، بل هو جحيم حقيقي يكتوي به من يخرج ناجيا – للأسف – من كارثة رهيبة تمحق حيوات من يرتبط بهم ويعيش معهم. يبدأ الفرد بالتساؤل: لماذا ماتوا وبقيت حيّا؟ كان المواطنون اليابانيون الناجين من كارثة هيروشيما يشكلون جمعيات الناجين لأنهم يصلون إلى مرحلة لا يستطيعون فيها التفاهم مع غيرهم، فكيف يكون الحال مع شعب كامل، الشعب العراقي، جُزر جزء كبير منه بأبشع الطرق، و"نجا" الباقون ممزقي الروح والأوصال؟!. لكن اللعبة السردية الفريدة التي لعبتها القاصة في قصتها السابقة تعود لتكررها بصورة أكثر خلاقية هنا: وهي دخولها إلى ساحة القصة بنفسها، وتبادلها الأدوار مع شخوصها بصورة أكثر مباشرة. تتحدث الكاتبة عن بطلتها بضمير الغائب فتعيد الصورة الافتتاحية المؤلمة التي تتمرن فيها الأخيرة على نطق مفردات الانفصال النهائي، ثم تحصل نقلة سردية مباشرة نطالع فيها راوية تتحدث بضمير المتكلمة: (أجلس في غرفتي عند النافذة المطلّة على قمم الأشجار.. ص 55). وترسم لنا الراوية / القاصة لوحة تشكيلية موغلة في الجمال لتشكلات حركة الطبيعة وتلونات حياة مكوناتها من أشجار وطيور.. تشكلات وتلونات تعزف سيمفونية كونية كبرى خطوط نوتاتها أسلاك الكهرباء وسلالمها أجسام العصافير التي تتناغم مع حركة طير الحسون المختال والحمامة المتعثرة وهما تعبيران رمزيان محكمان عن بطلي قصتها في عرض حالهما الإبتدائي المتذبذب: (أسراب من العصافير تنطلق فجأة من أعالي الأشجار في حدائق البيوت فتشكل في السماء منحنيات سرعان ما تتحول إلى موجات راقصة على امتداد أسلاك الكهرباء مكونة سلالم موسيقية تتناغم في حركتها مع طائر الحسون والحمامة اللذين أجفلتهما الأمواج فجازا نحو أعالي الأشجار – ص 56). وأصوات الطيور – في نقلة إيحائية مصممة بقصدية عالية – تمتزج في فوضى تشبه أصوات الأطفال عند أبواب مدرسة في نهاية يوم دراسي ؛ زعيق الأطفال المحبب، الأطفال الذين أُحرقوا في ملجأ العامرية، وظل ألم البقاء بعدهم يدمر حياة بطلتها التي تتذكرها حين يحل الظلام وتنتابها - أي القاصة - المشاعر المبهمة، فتتذكر الفتاة وهي تروح وتجيء في غرفتها تحلم بلحظات الصمت الأزرق. وهنا تفجّر القاصة تساؤلا هائلا يرتبط بسر العملية الإبداعية من ناحية ويكشف المسكوت عنه في علاقتها ببطليها من ناحية أخرى. إنها تتساءل عن السبب الذي جعلها كقاصة لا تتيح الفرصة لبطلتها المحطمة أن تقول لحبيبها ما تريد بالطريقة التي تشاء وفي الوقت الذي تقدّر ملاءمته؟! وسيثور في ذهننا تساؤل مكمل: هل من حق الكاتب أن يستعير حياة شخوصه ويتلاعب بها كيف يشاء، محددا لحظات الخراب الفاصلة؟. وكأن الإجابة التي تقدمها إرادة في الأسطر الختامية من قصتها ترسم الدور الحاسم لـ " إرادة " المؤلف الذي يرفض الموت.. والذي لا يمكن أن يستتر وراء شخوصه فنيا إلا ليتجسد من خلالهم نفسيا. المؤلف لا يموت.. المؤلف "تستحيل" حياته إلى حيوات شخوصه، وتتمظهر من خلال جزئيات سلوكاتهم. المؤلف ينشطر بمكر ولا يموت كما وقع رولاند بارت في وهم فنائه. والمؤلف الذي شاهد محرقة ملجأ العامرية لا يمكن أن يموت.. لأن في موته موت القاريء نفسه.. وخراب النص ذاته، إذ كيف يستعير القاريء حياة مظهرية مختلقة منقطعة عن الحياة الأصل الدامية التي تفوح منها رائحة شواء لحم بشري، وعويل أمهات، وأب يتعرف على بقايا مصير طفله من ساعته اليدوية التي استعارها منه طفله ليلة المحنة وهي تمرق طافية فوق تيار رماد الأجسام الغضة، هل هو ذاك الطفل الذي لم يستطع الرجل المتصدع إنقاذه بسبب الأوامر في قصة "على الجسر": (هكذا مثل ثلج الربيع الذي يتبدد، أترانا سنتساقط في اتجاهات مختلفة، ليختار كلّ منا سبيله: هي، هو، أنا.. هما يحاولان الحياة ويدومان كفراشات ضالة، وأنا امرأة تكتب مستعيرة حياتهما عساها أن تصل إلى سكينة صمت زرقاء تحلم بها).
............................

صحيفة المثقف: (العدد: 1602 الجمعة 10 /12 /2010)

لحظتان دراميتان في ذروة الألم العراقي

موقع حاتم محمد صكر الصكر
أقوال النور-قراءات بصرية في التشكيل المعاصر
دائرة الثقافة والإعلام
الشارقة
ط1-2010
الإخراج الفني : أحمد أمير
تصميم الغلاف:ضياء الدين الدوش
186 صفحة 20×20سم

واويلتاه على بابل

الوصول إلى الموضوع العراقي المؤجل هو في أحد جوانبه لاشعوريا تأجيل للتأمل في التراجديديا العراقية القائمة ، إذ كيف يمكن لعراقي مثلي شهد الكوارث وعاش تداعياتها ونالته تشظياتها أن يتأمل جرحه ليراقب تمثيلاته اللونية أو الورقية ؟
وكم سيكفي من الألوان ليوصل الإحساس بأنهار الدماء التي ينزفها هذه اللحظة كما في تاريخه كله جرح عراقي مفتوح على الآخرة التي تبدو أحيانا جحيما يلتهم أخضر الحياة و يابسها؟
كم من جورنيكا نحتاج لنجسد آلام القتلى بالمجان و صرخات المفقودين في حروب العراق المتلاحقة وأنات أمهاتهم وآبائهم المتعلقة أبصارهم بوعد كالسراب بعودتهم المؤملة كالحلم؟
كم جورنيكا تستوعب احتراق مئات الحيوات تحت السمع والبصر داخل ملجأ العامرية فجر 13-2-1991 بقذائف المقاتلتين الأمريكيتين اللتين أغلق عصفهما أبواب الملجأ وامتلاء المكان بمياه شديدة الحرارة واختناق النائمين في الملجأ أو احتراقهم وخفوت أصواتهم الطالبة للنجدة شيئا فشيئا ؟
وكم يكفي من السطوح التصويرية ومواد النحت والحفر لتجسيد مأساة تعذيب سجناء أبو غريب على أيدي الجنود والجنديات الأمريكان وهم يلهون بساديّة عجيبة بأجساد المحتجزين ويصنعون منها دمى وطرائف لالتقاط الصور ..جرائم مروعة صورت حية فاهتز لها ضمير العالم كله؟
كم من الحبر والورق والألوان يكفي لبسط عناء الأرواح التي أزهقها العنف الأعمى والإرهاب وفقد الناس في ظلامها وجهلها بنيهم وبناتهم وأحبتهم مجهولي المصير مغيّبين بلمحة بصر؟
في العراق القديم ثمة مقاطع شعرية في قصيدة إيرا وإيشوم تتأوه على المدينة التي صارت خرابا:
وا ويلتاه على بابل التي صنعتها سامية
كتاج شجرة النخيل لكن الريح أذبلتها
وا ويلتاه على بابل التي ملأتها بالبذور ككوز صنوبر
ولكنني لم أتمكن من جعلها تثمر
وا ويلتاه على بابل التي زرعتها كبستان خصيب
ولكنني لم أذق أبدا طعم ثمره(18)

يكون الدمار في الأساطير العراقية والأدب الرافديني عامة ملازما للحياة ثم ينعكس في الرسم الجداري والألواح والتماثيل.
في القرن الثامن قبل الميلاد يتوعد الطغاة بهدم المدن وقتل الأبرياء:
سأجهز على الأراضي وأحسبها في عداد الآثار
سأعيث خرابا في مدن وأجعلها قفارا
سأدمر جبالا واجعلها خرابا
سأثير محيطات وأقضي عليها
سأنقب أرض القصب وأنبش القبور(19)
كما يتوعد الأعداء بأن تسيل دماؤهم أنهارا كما الماء ، ويوصي القائد العسكري بأن يقتل البشر والآلهة على السواء والشيخ والشاب ، وألا تظل حكمة ما تمنع من فعل الحرب الشنيع وربما لذلك كانت طقوس تماثيل الخشب عند صناعتها تقترن بطقس غسل الفم ( 20) لكي لا يظل للكلمة من معنى..وتنطلق قوة اليد فقط وما تحمله من سلاح ..
أما الفن فقد كان تسجيلا لتلك الانتصارات الحربية وباعثا لتدوينها صوريا امتثالا لرغبة الحكام في تأكيد ذواتهم ،وصار ذلك مبعثا للابتكار، فحين لا تكفي الأفاريز والمصاطب الحجرية والألواح لسرد قصة النصر فإن الفنان يلجا إلى ابتكار الرفوف التصاعدية لتدوين ملحمة النصر ، وسنقف عند لوحة أور ذات الجهتين أو الوجهين (21)التي تعرض جانبا من حروب السومريين وفي الجانب أو الوجه الآخر تسجل الاحتفال بالنصر واستعراض الأسرى أمام الحاكم والقادة ، وهي منفذة بالمادة التي انفردت بها الفنون السومرية حيث يستخدم القار على اللوح الخشبي ثم تثبت الأشكال عليه ، وفي كل وجه ثلاثة صفوف من الأشكال الأفقية المتناظرة وبين الأعلى والأسفل أي في الفراغ الأوسط تتكرر شخوص الحاشية والحاكم أو تبين المناسبة المحتفل بها وبذا يتم سرد قصة النصر بستة أجزاء وتظهر كذلك المغنية التي تحتفل بالمناسبة وكذلك غنائم المعركة.
هذا الميل السردي على الجداريات والأعمال الكبيرة سيظهر لاحقا في أعمال فنانين عراقيين في مقدمتهم جواد سليم وعمله الخالد نصب الحرية ذي المقاطع المترابطة سرديا.
يلاحظ الباحثون أن التصميم في لوحة أور أعطى الفنان القديم فرصة أكبر في توزيع شخصياته على اللوحة ، كما أن خامة الصدف تطلبت دقة من الفنان في نحت أشكاله .( 22)
لقد دفعت روح السرد الملحمي فناني هذا النوع من الأعمال لتسجيل مفردات دقيقة ومهمة في الحياة الحربية آنذاك كالعربة التي تفوَّق السومريون في استخدامها في الحروب وكواسطة نقل مميزة للحاكم الذي يظهر عادة بحجم أكبر من حاشيته وقُوّاده، أما الأسرى فهم خافضون رؤوسهم والقتلى تدوس عليهم أرجل المحاربين.
و أما في أكد مملكة سرجون إلى الشمال من سومر فقد كانت الفنون الآشورية تحتفي بالحروب كمادة رئيسة لها تفوق عدديا النقوش والألواح التعبدية ، ويمكن معاينة لوح النصر الذي يدون انتصارات نارام سن حفيد سرجون الأكدي على أعدائه(23) ويلاحظ الحس الملحمي في بنية اللوح حيث تسجل القطعة النادرة حدث الحرب فيعتلي نارام سن الجبل منفردا متقدما الجيش وبحجم كبير كما في الملاحم السومرية قريبا من الكواكب وقمة الجبل ترميزا لهيبته ومكانته وتسلطه.
الموت والأسر الواقع على الأعداء لا يميز قادتهم بمكان أو مكانة ما في العمل ، بل يجعل الجميع قتلى أو أسرى يستعرضون أمام الحاكم والحاشية والجماهير ليغدو النصر عاما وإن كان ملصقا باسم الحاكم.
إن انشغال الفن العراقي في عواصمه الكبرى في بلاد الرافدين بالحرب ومفرداتها لا يعني إغفال الجوانب الإنسانية والموضوعات الجمالية ، ولكن الحرب كانت المركز البؤري للإعمال الفنية ومناسبة ظهورها أو وجودها ، تماما كالمديح بالنسبة للشعر القديم حيث لا موضوع يتقدم عليه ولا يعمّد الشاعر شاعرا إلا من خلاله ، ولا تُعد القصيدة نصا مصرحا به أو معترفا بفنيته إلا بمروره من بوابة المدح.
لعل هذا الميراث الحربي المستعاد في الملاحم العصرية المنفذة بعد أو خلال حروب العراق المتكررة تعيد رسيّا أو اجترارا تلك التقاليد القديمة في الفن الرافديني المنهمك في تصوير الحروب وتخليدها عبر صانعيها المتخيلين وقادتها الميدانيين وجنودها السائرين على جثث الأعداء في عودتهم منتصرين.
وتعزز الروح الغنائية ما ينقص الملحمية من وجدانيات ورؤى، لكن الفنان يتضاءل كذات بموازاة الموضوع الأكبر الذي ينقله . ولا شك أن الغريزة المزدوجة في الحروب – بشريّة – حيوانية ، توقظ ذلك الإحساس بالتشفي وسحق العدو تحت جنازير الدبابات مع إضافات وتعديلات موضوعاتية كتمجيد الشهداء وبسالتهم وفرح الأهل بتشييعهم أو هكذا يجب أن يظهروا في الفن الجماهيري الممجد للحرب.
ولكن في عمق المأساة وفقدان أعزاء وتهدم بيوت وحقول يبرز الترميز ليسجل ضيق الإنسان وخوفه وحزنه وخساراته،انطلاقا من ملامسته ومعايشته للحدث..
كان غراب علاء بشير أحد الرموز التي تكرس الإحساس الكابوسي بالحرب ، فالغراب تحف به دلالات الشؤم في المعتقدات والميثولوجيا ويكفي أن نذكر دوره في تعليم أول قاتل في تاريخ البشرية كيف يدفن أخاه القتيل(24) وكان الغراب حاضرا في لوحات علاء بشير المنتجة في مناخ الحرب ، وهو غراب ينهش أكباد الشخوص المستسلمين بشيء من النشوة وكثير من اليأس لمصيرهم الغرابي ، وتساعد النزعة التشريحية لعلاء بشير وخبرته كطبيب متخصص في الجراحة التجميلية على تجسيم البشاعة والإحساس بالألم الواقع على الفرد بفعلٍ مجهول ظاهريا مفهومٍ تأويليا وهو الحرب.
ولاحقا ستنعكس في الأعمال الفنية الحرب وتداعياتها لا سيما الحصار الذي تضرر بسببه مواطنو العراق وعانوا الفاقة وشح المصادر المعيشية والحياتية عامة ، وفد فرضت ندرة المواد الخام ومستلزمات العمل الفني من أصباغ وقماش وخشب وحجر وطباعة وفرش ومواد كيمياوية وما إليها اللجوء إلى التخطيط بالرصاص أو الرسم على الورق وشيوع الجداريات والرسم بالمائيات المتوفرة ، وذلك يجعل مادة العمل ومحتواه في تماهٍ تام و سيحصل مثل ذلك في الكتابة حيث تشح مواد الطباعة والورق ولوازم النشر..
هذا الضيق سيظهر في رسوم الأجيال التالية التي شهدت الحرب وعاشت جوانبها العملية واكتوت بها تماما ، لذا يخيم الحس الكابوسي على رسوم الثمانينين والتالين لهم من الجيل الذي تفتحت مواهبه مع ظروف الحصار منذ مطلع التسعينيات حتى الاحتلال الأمريكي للعراق.
ففي رسوم الجيل المعاصر للحرب والحصار جرى تأكيد ذلك التحول في المواد و المعالجة ، وسنرى ذلك في لوحات ومنحوتات لأحمد البحراني وجماعة الأربعة( فاخر محمد وحسن عبود ومحمد صبري وعاصم عبدالأمير) وهناء مال الله وغسان غائب وكريم رسن وستار كاووش وإيمان خالد ونديم محسن ونزار يحيى وعمار سلمان ومحمود العبيدي وسواهم من فناني بغداد والمحافظات والمهجر أيضا.
وتعكس التخطيطات والمائيات والمنحوتات تلك الروح التقشفية ، وفي حال توفر المواد فإن الجو الكابوسي للحصار وقلق المستقبل والتهديدات بالحرب كلها تدعو لليأس والتشاؤم وتشيع ما تسميه هناء مال الله كعنوان لأحد تخطيطاتها الورقية ( مذاق الحصار) التي تبدو فيها الأفواه كالرؤوس فارغة وبائسة بسبب الحصار ومتناثرة على سطح الورقة متباعدة رغم خطوطها الخارجية الدقيقة كناية عن التدهور الذي أصاب الحياة كلها. وتوسعت بسبب الحرب مصادر الرسامين الثقافية وصاروا يبحثون في طيات المكان المديني والمأثورات عن مراجع تصويرية ، وحينا يذهبون إلى المقتنيات المتحفية ليستفيدوا منها في تكوين أعمالهم.واستلهام الروح الحضارية للفن العراقي القديم وتأمين حداثة أعمالهم في الوقت نفسه..
في النحت ربما تستوقفنا تجربة أحمد البحراني الذي يمر بمراحل تطور واضحة في تأكيد معالجات خاصة وجذرية ساعدته في التخلص من تأثير النحاتين العالميين –جياكوميتي خاصة وشخوصه الدقيقة العارية المعلقة في الفراغ والمؤطرة بحدود تشل حركتها كناية عن المحددات التي جاءت بها الحرب .
يشتغل على موضوع الحرب وانعكاساتها فنانون من أجيال مختلفة تلقوا أصداءها وتمثلوها بطرق متنوعة ، ومن هؤلاء شاكر حسن الذي ازدادت ضراوة تعامله مع المواد وأوغل في تجارب الحرق والخرق وتهشيم الأطر ورسم اللوحات المعتمدة على التنافذ بين وجهيها ، كما أخذ يبشر بفن ما بعد الرسم يأسا من جدوى الخطاب الجمالي السائد في النصوص التشكيلية وبرزت لديه تمزقات أو تداعيات جدرانه وتشظيها ومعاناتها من خروق وانهيارات توازي ما يحصل بسبب الحرب.
وهذا ما يظهر في تجارب فنانين مكرسين كضياء العزاوي و رافع الناصري ومحمد مهر الدين وإسماعيل فتاح ومحمد غني وسالم الدباغ وليلى العطار وسواهم ممن شهدوا الحروب وتداخلات الحالة العراقية.. وسنتبين في لوحات رسمها مهر الدين مثلا أواخر التسعينيات مصاحبة لأحد دواوين البياتي أنه يميل إلى التشظية والقطع والتركيز على ثيمات الموت ومرادفاته الرمزية كالليل ، بينما ينقسم السطح التصويري قسمين تفصلهما مساحات ملونة متداخلة وتتسيد العمل خلفيات داكنة لم تنقذها الخطوط والألوان من الحس الفجائعي .
وفي عمل ضياء العزاوي استبطان واضح عبر التشريح لدواخل الإنسان الذي تخرج من قفصه الصدري حمامة تنهي بالأحمر وتشي بفاجعة قائمة أو قادمة.




لحظتان دراميتان في ذروة الألم العراقي
كي لا يظل الحديث عن العراق وحروبه واحتلاله عاما سأتوقف عند لحظتين هامتين في سيرورة ألمه المزمن والأبدي هما حادثة تدمير ملجـأ العامرية ، وتعذيب سجناء أبو غريب.
كلا الفعلين لهما فاعل واحد، كان مارس يركب في جريمة العامرية طائرة مقاتلة تتبعها أخرى ليوسعا فتحات منافذ التهوية ويلقيا القنابل الثقيلة التي بسبب الحرارة التي صنعتها أغلقت مخارج الملجأ الغاص بالهاربين من القصف الليلي على المدن عام 1991. كانت تلك تحية الصباح من العسكر الأمريكان لهؤلاء الحالمين بليلة لا يسمعون فيها صفارات الإنذار وهدير الطائرات ودوي القنابل التي يتوقعون أن تسقط علي بيوتهم، لكن حدسهم خذلهم هذه المرة ، ومن حيث ظنوا الأمن جاءتهم المقتلة التي حصدت أرواحهم بطريقة بشعة، كنا نتجمهر خارج الملجأ صباحا بعد أن سمعنا بالضربة الجوية على ملجأ مدني لسكان العامرية غرب بغداد والقريب من مركز الكرخ فهرعنا إلى هناك .كان المنقذون الأوائل من الإطفائيين قد ماتوا احتراقا أو اختناقا ، و لا تزال صيحات المحاصرين من النسوة والأطفال والشباب تُسمع طالبةً النجدة...بعد ساعات ستتوقف صرخات الاستغاثة لأن أصحابها لم يعد يطلقونها. لقد ماتوا جميعا.
تمثّل الرسامون والنحاتون العراقيون كما الأدباء والشعراء عناصر تلك المجزرة التي شبهها الشهود بجورنيكا ضخمة وعصرية ، ولكن الملجأ الذي صار متحفا يري الزائرين صور الضحايا وقطع الشعر واللحم الملتصقة بالجدران ، والجدران أو ما تبقى منها مسودا بهباب الأجساد التي تفحمت وشبح الموت يتبختر بإرشاد مارس الذي كان يتدرع بحديد إضافي وينظر بشماتة ولذة ،ويشد على أيدي رسله من الطيارين الأمريكان وقادتهم القتلة الذين أبدوا اعتذارا دبلوماسيا لم يخل من اتهام للضحايا بالتقصير!
ليست نصوص العامرية التشكيلية تحت يدي الآن للأ سف، ولكن الذاكرة تحتفظ بملاحظة نقدية مفادها أنْ لا عمل ارتقى إلى رتبة الواقعة وأثرها الشعوري والإنساني. هنا يتفوق الخارج وواقعته على نسخة الفن التي تحتاج إلى زمن لاستيعاب الحدث ، وابتكار زاوية النظر التي تخلده في وعي الأجيال وضمير الإنسانية وسنن المدنية ونواميس الحضارة.
نحن لا نطالب هنا بعمل إيقوني ينقل مفردات مرجعه الخارجي لأننا بحسب ملاحظة جوليا كريستيفا بالغة الاختصار والدقة (25)نكون قد قسنا الموضوع المصوّر(=المرسوم )كصورة لمرجع موجود خارج نظام اللوحة مادمنا نقيس لموضوع واقعي ، وبذا نقضي على اللغة التصويرية باختزال مكوناتها في مكونات مشهد خارج اللوحة ، تتصل به بطريق المماثلة التامة(=المطابقة) .وسنكون بانتظار عمل يستوعب ويتمثل ما حصل في الملجأ ذلك الفجر ويتأمل المصائر التي واجهها المدنيون النائمون ثم يعيد تمثيلها فنيا لا بتجويق الضحايا أو درج الجريمة في تحديات الحرب المعلنة بل في دلالتها الإنسانية والقدر الفردي الذي واجهه كضحية.
في حالة سجن أبو غريب كانت الصور الفوتغرافية ذات وقع استباقي ، فكان العجز الفني بسبب ذلك الوقع المدوي للصور ،لا بسبب التعجيز الذي تنطوي عليه الواقعة الخارجية(= واقعة التعذيب المفرط الوحشية للسجناء والمحتجزين وإشراك الكلاب في ترويعهم ونهش أبدانهم ، والسخرية منهم وتعليقهم عراة بطرق مهينة وتصويرهم مع الجلادين ، وسحبهم على أرضيات جرداء في البرد دون ثياب ، وتكديسهم فوق بعضهم معصوبي الأعين، وربط أعضاء من أجسادهم بآلات كهربائية )وسوى ذلك مما عرضته –وياللمفارقة - كامرات شخصية استخدمها الجلادون من المجندين والمجندات في جيش الاحتلال الأمريكي ،وعرضوها في حمّى صفاقتهم واستعراضهم والتبجح بالهيمنة على عزّل مأسورين.
مؤخرا هزت الأوساط الفنية في العالم أعمال قدّمها الرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو( 26) وتضم عشرات اللوحات من وحي فضيحة تعذيب السجناء والأسرى والمحتجزين المدنيين العراقيين في أبو غريب، وسيكون لقراءة تلك الأعمال صلة قوية بمرجعها دون شك ، حيث يتحدد عمل المخيلة بفعل الضخ الصوري وقوة المرجع ودويّه ، لكن براعة الفنان تكمن في تعميق تلقي الضحايا لحدث التعذيب منفردين. إنهم يتلقون معاناتهم كقدر لا تخفف منه جماعية العقاب ، وهذا الفهم يغير صورة البطل في اللوحة المستمدة من تداعيات الحرب، هنا نرى السجين قوي البدن رغم التعذيب ، يتجه إلى المشاهد –ضمنا إلى الجلاد- ويناشده لا باستعطاف بل بقوة الحجة وإشارة القيد المضخمة ببلاغة ، وكأنه يصنع صورة داخل اللوحة ، وسيخرج المتلقي لهذه النصوص البصرية بأسئلة عن حق الجلاد في إهانة ضحيته وإذلاله والتلاعب بحياته وكرامته ووجوده ،فضلا عن حريته ، وحرية وطنه في المقام الأول.
إن الجريمة تشتد وطأتها حين يتذكر المشاهد عراقيا أو غيره أن حرب أمريكا كانت تحت شعارات معاقبة نظام دكتاتوري لا قانون يسود علاقته بمواطنيه ولا قضاء ولا حرية تعبير أو رأي، ولكن كل هذه الشعارات صارت بسبب جريمة أبو غريب موضع شك وتساؤل معاكس ومضاعف ، فأي من تلك الأفعال الشنعاء لمحتل تجاه مواطني البلد المحتل تتوافق مع تلك الدعاوى التي فضحتها النصوص التشكيلية المستمدة من الوقائع الخارجية والمعدلة لها في إطار الفن ، لتغدو ذات أثر على المتلقي ونفوذ في ذاكرة البشرية التي تطهرها الأعمال الفنية من درن الحروب وجرائم صانعيها وبذرات نزواتهم الدموية.(27).
كما تحرر الذاكرة البشرية من شهوة الموت التي يشيعها مارس من وراء دروعه وعبر رسله القساة إلى ضعفاء العالم الذين - كما يثبت بريخت في مقطوعة استهلالنا للدراسة - يظلون جياعا سواء أكانوا في صف المنتصر أو المهزوم ، ببساطة لان المنتصر منهزم كذلك لأنه خسر الحجاج والقناعة وسبل العدل الممكنة

الجمعة، 10 ديسمبر 2010

Iraq: A Decade of Devastation Middle East Report 215 - Summer 2000


An Iraqi woman looks at the damage inside the Amiriya
shelter in Baghdad, in which 403 civilians allegedly died
when it was bombed by American missiles during the Gulf War
in 1991.Three relatives of the womandied in the bombing.
(AP Photo/Jassim Mohammed)
Iraq: A Decade of Devastation

Editorial

1999 Shehadi Winner (click here for info)
Stiflling Democracy Within Palestinian Unions
Nina Sovich

ARTICLES
"And They Called It Peace": US Policy on Iraq
Phyllis Bennis

Sanctioning Iraq: A Failed Policy
Sarah Graham-Brown

Daghara Dispatch: A Lost Generation
Elizabeth Warnock Fernea

Depleted Uranium Haunts Kosovo and Iraq
Scott Peterson

The Public Health Impact of Sanctions: Contrasting Responses of Iraq and Cuba
Richard Garfield

The Politics of Consensus in the Gulf
Marc Lynch

A Shaky De Facto Kurdistan
David Aquila Lawrence

Shaykhs and Ideologues: Detribalization and Retribalization in Iraq, 1968-1998
Faleh A. Jabar

Elusive Justice: Trying to Try Saddam
Joost Hiltermann

Interviews Set: Americans Against the Sanctions

What About the Incubators?
Kathy Kelly

Resources for Activists

Between Iraq and a Hard Place: Jordanian-Iraqi Relations
Curtis Ryan

Letter from Kuwait
Fred Halliday

REVIEW
Le lute de Bagdad--Naseer Shamma
Elliott Colla
A US Air Force A-10 Thunderbolt serves as a backdrop as Defense Secretary
William S. Cohen addresses US personnel at Al-Jaber Air Base, Kuwait.
 (Helene c. Stikkel/DoD Photos)
Phyllis Bennis

(Scott Peterson covers the Middle East for the Christian Science Monitor.)

These two techniques--the impressionistic and the imagistic--come together most powerfully in "al-'Amiriyya," which refers to the bomb shelter targeted by the allies during the 1991 air campaign, where more than 400 Iraqi civilians, mostly children, died. Shamma's piece begins with a lilting, sentimental melody that is interrupted by screeching air raid sirens--an effect generated by Shamma's frantic picking. Amidst the confusion and panic that follow, you hear a calm determination to prepare for the coming air strike. Then, as if upon the close of the last blast door, missiles rain down, their explosions drowned out by the screams of other incoming bombs and screams of victims below. At this point, the sharply defined sound images are painted over with more impressionistic strokes--the piece slows and turns darkly reflective before ending on an optimistic note. Part of this piece's power emanates from Shamma's ability to convey so many distinct sounds and images on a single stringed instrument--one can only imagine the impact on listeners when Shamma first performed the piece in the ruins of al-'Amiriyya on the one-year anniversary of the massacre.

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...