ملجأ العامرية Amriya Shelter

ملجأ العامرية أو الفردوس أو رقم خمسة وعشرين هو ملجأ من القصف جوي بحي العامرية، بغداد، العراق، قصف أثناء حرب الخليج الثانية. فقد ادت احدى الغارات الاميركية يوم 13 فبراير 1991 على بغداد بواسطة طائرتان من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية إلى تدمير ملجأ مما ادى لمقتل أكثر من 400 مدني عراقي من نساء واطفال. وقد بررت قوات التحالف هذا القصف بانه كان يستهدف مراكز قيادية عراقية لكن اثبتت الاحداث ان تدمير الملجا كان متعمدا خاصة وان الطائرات الاميركية ظلت تحوم فوقه لمدة يومين
The Amiriyah shelter or Al-Firdos bunker was an air-raid shelter ("Public Shelter No. 25") in the Amiriyah neighborhood of Baghdad, Iraq. The shelter was used in the Iran–Iraq War and the Gulf War by hundreds of civilians. It was destroyed by the USAF with two laser-guided "smart bombs" on 13 February 1991 during the Gulf War, killing more than 408 civilians.

الأحد، 12 ديسمبر، 2010

لحظتان دراميتان في ذروة الألم العراقي

موقع حاتم محمد صكر الصكر
أقوال النور-قراءات بصرية في التشكيل المعاصر
دائرة الثقافة والإعلام
الشارقة
ط1-2010
الإخراج الفني : أحمد أمير
تصميم الغلاف:ضياء الدين الدوش
186 صفحة 20×20سم

واويلتاه على بابل

الوصول إلى الموضوع العراقي المؤجل هو في أحد جوانبه لاشعوريا تأجيل للتأمل في التراجديديا العراقية القائمة ، إذ كيف يمكن لعراقي مثلي شهد الكوارث وعاش تداعياتها ونالته تشظياتها أن يتأمل جرحه ليراقب تمثيلاته اللونية أو الورقية ؟
وكم سيكفي من الألوان ليوصل الإحساس بأنهار الدماء التي ينزفها هذه اللحظة كما في تاريخه كله جرح عراقي مفتوح على الآخرة التي تبدو أحيانا جحيما يلتهم أخضر الحياة و يابسها؟
كم من جورنيكا نحتاج لنجسد آلام القتلى بالمجان و صرخات المفقودين في حروب العراق المتلاحقة وأنات أمهاتهم وآبائهم المتعلقة أبصارهم بوعد كالسراب بعودتهم المؤملة كالحلم؟
كم جورنيكا تستوعب احتراق مئات الحيوات تحت السمع والبصر داخل ملجأ العامرية فجر 13-2-1991 بقذائف المقاتلتين الأمريكيتين اللتين أغلق عصفهما أبواب الملجأ وامتلاء المكان بمياه شديدة الحرارة واختناق النائمين في الملجأ أو احتراقهم وخفوت أصواتهم الطالبة للنجدة شيئا فشيئا ؟
وكم يكفي من السطوح التصويرية ومواد النحت والحفر لتجسيد مأساة تعذيب سجناء أبو غريب على أيدي الجنود والجنديات الأمريكان وهم يلهون بساديّة عجيبة بأجساد المحتجزين ويصنعون منها دمى وطرائف لالتقاط الصور ..جرائم مروعة صورت حية فاهتز لها ضمير العالم كله؟
كم من الحبر والورق والألوان يكفي لبسط عناء الأرواح التي أزهقها العنف الأعمى والإرهاب وفقد الناس في ظلامها وجهلها بنيهم وبناتهم وأحبتهم مجهولي المصير مغيّبين بلمحة بصر؟
في العراق القديم ثمة مقاطع شعرية في قصيدة إيرا وإيشوم تتأوه على المدينة التي صارت خرابا:
وا ويلتاه على بابل التي صنعتها سامية
كتاج شجرة النخيل لكن الريح أذبلتها
وا ويلتاه على بابل التي ملأتها بالبذور ككوز صنوبر
ولكنني لم أتمكن من جعلها تثمر
وا ويلتاه على بابل التي زرعتها كبستان خصيب
ولكنني لم أذق أبدا طعم ثمره(18)

يكون الدمار في الأساطير العراقية والأدب الرافديني عامة ملازما للحياة ثم ينعكس في الرسم الجداري والألواح والتماثيل.
في القرن الثامن قبل الميلاد يتوعد الطغاة بهدم المدن وقتل الأبرياء:
سأجهز على الأراضي وأحسبها في عداد الآثار
سأعيث خرابا في مدن وأجعلها قفارا
سأدمر جبالا واجعلها خرابا
سأثير محيطات وأقضي عليها
سأنقب أرض القصب وأنبش القبور(19)
كما يتوعد الأعداء بأن تسيل دماؤهم أنهارا كما الماء ، ويوصي القائد العسكري بأن يقتل البشر والآلهة على السواء والشيخ والشاب ، وألا تظل حكمة ما تمنع من فعل الحرب الشنيع وربما لذلك كانت طقوس تماثيل الخشب عند صناعتها تقترن بطقس غسل الفم ( 20) لكي لا يظل للكلمة من معنى..وتنطلق قوة اليد فقط وما تحمله من سلاح ..
أما الفن فقد كان تسجيلا لتلك الانتصارات الحربية وباعثا لتدوينها صوريا امتثالا لرغبة الحكام في تأكيد ذواتهم ،وصار ذلك مبعثا للابتكار، فحين لا تكفي الأفاريز والمصاطب الحجرية والألواح لسرد قصة النصر فإن الفنان يلجا إلى ابتكار الرفوف التصاعدية لتدوين ملحمة النصر ، وسنقف عند لوحة أور ذات الجهتين أو الوجهين (21)التي تعرض جانبا من حروب السومريين وفي الجانب أو الوجه الآخر تسجل الاحتفال بالنصر واستعراض الأسرى أمام الحاكم والقادة ، وهي منفذة بالمادة التي انفردت بها الفنون السومرية حيث يستخدم القار على اللوح الخشبي ثم تثبت الأشكال عليه ، وفي كل وجه ثلاثة صفوف من الأشكال الأفقية المتناظرة وبين الأعلى والأسفل أي في الفراغ الأوسط تتكرر شخوص الحاشية والحاكم أو تبين المناسبة المحتفل بها وبذا يتم سرد قصة النصر بستة أجزاء وتظهر كذلك المغنية التي تحتفل بالمناسبة وكذلك غنائم المعركة.
هذا الميل السردي على الجداريات والأعمال الكبيرة سيظهر لاحقا في أعمال فنانين عراقيين في مقدمتهم جواد سليم وعمله الخالد نصب الحرية ذي المقاطع المترابطة سرديا.
يلاحظ الباحثون أن التصميم في لوحة أور أعطى الفنان القديم فرصة أكبر في توزيع شخصياته على اللوحة ، كما أن خامة الصدف تطلبت دقة من الفنان في نحت أشكاله .( 22)
لقد دفعت روح السرد الملحمي فناني هذا النوع من الأعمال لتسجيل مفردات دقيقة ومهمة في الحياة الحربية آنذاك كالعربة التي تفوَّق السومريون في استخدامها في الحروب وكواسطة نقل مميزة للحاكم الذي يظهر عادة بحجم أكبر من حاشيته وقُوّاده، أما الأسرى فهم خافضون رؤوسهم والقتلى تدوس عليهم أرجل المحاربين.
و أما في أكد مملكة سرجون إلى الشمال من سومر فقد كانت الفنون الآشورية تحتفي بالحروب كمادة رئيسة لها تفوق عدديا النقوش والألواح التعبدية ، ويمكن معاينة لوح النصر الذي يدون انتصارات نارام سن حفيد سرجون الأكدي على أعدائه(23) ويلاحظ الحس الملحمي في بنية اللوح حيث تسجل القطعة النادرة حدث الحرب فيعتلي نارام سن الجبل منفردا متقدما الجيش وبحجم كبير كما في الملاحم السومرية قريبا من الكواكب وقمة الجبل ترميزا لهيبته ومكانته وتسلطه.
الموت والأسر الواقع على الأعداء لا يميز قادتهم بمكان أو مكانة ما في العمل ، بل يجعل الجميع قتلى أو أسرى يستعرضون أمام الحاكم والحاشية والجماهير ليغدو النصر عاما وإن كان ملصقا باسم الحاكم.
إن انشغال الفن العراقي في عواصمه الكبرى في بلاد الرافدين بالحرب ومفرداتها لا يعني إغفال الجوانب الإنسانية والموضوعات الجمالية ، ولكن الحرب كانت المركز البؤري للإعمال الفنية ومناسبة ظهورها أو وجودها ، تماما كالمديح بالنسبة للشعر القديم حيث لا موضوع يتقدم عليه ولا يعمّد الشاعر شاعرا إلا من خلاله ، ولا تُعد القصيدة نصا مصرحا به أو معترفا بفنيته إلا بمروره من بوابة المدح.
لعل هذا الميراث الحربي المستعاد في الملاحم العصرية المنفذة بعد أو خلال حروب العراق المتكررة تعيد رسيّا أو اجترارا تلك التقاليد القديمة في الفن الرافديني المنهمك في تصوير الحروب وتخليدها عبر صانعيها المتخيلين وقادتها الميدانيين وجنودها السائرين على جثث الأعداء في عودتهم منتصرين.
وتعزز الروح الغنائية ما ينقص الملحمية من وجدانيات ورؤى، لكن الفنان يتضاءل كذات بموازاة الموضوع الأكبر الذي ينقله . ولا شك أن الغريزة المزدوجة في الحروب – بشريّة – حيوانية ، توقظ ذلك الإحساس بالتشفي وسحق العدو تحت جنازير الدبابات مع إضافات وتعديلات موضوعاتية كتمجيد الشهداء وبسالتهم وفرح الأهل بتشييعهم أو هكذا يجب أن يظهروا في الفن الجماهيري الممجد للحرب.
ولكن في عمق المأساة وفقدان أعزاء وتهدم بيوت وحقول يبرز الترميز ليسجل ضيق الإنسان وخوفه وحزنه وخساراته،انطلاقا من ملامسته ومعايشته للحدث..
كان غراب علاء بشير أحد الرموز التي تكرس الإحساس الكابوسي بالحرب ، فالغراب تحف به دلالات الشؤم في المعتقدات والميثولوجيا ويكفي أن نذكر دوره في تعليم أول قاتل في تاريخ البشرية كيف يدفن أخاه القتيل(24) وكان الغراب حاضرا في لوحات علاء بشير المنتجة في مناخ الحرب ، وهو غراب ينهش أكباد الشخوص المستسلمين بشيء من النشوة وكثير من اليأس لمصيرهم الغرابي ، وتساعد النزعة التشريحية لعلاء بشير وخبرته كطبيب متخصص في الجراحة التجميلية على تجسيم البشاعة والإحساس بالألم الواقع على الفرد بفعلٍ مجهول ظاهريا مفهومٍ تأويليا وهو الحرب.
ولاحقا ستنعكس في الأعمال الفنية الحرب وتداعياتها لا سيما الحصار الذي تضرر بسببه مواطنو العراق وعانوا الفاقة وشح المصادر المعيشية والحياتية عامة ، وفد فرضت ندرة المواد الخام ومستلزمات العمل الفني من أصباغ وقماش وخشب وحجر وطباعة وفرش ومواد كيمياوية وما إليها اللجوء إلى التخطيط بالرصاص أو الرسم على الورق وشيوع الجداريات والرسم بالمائيات المتوفرة ، وذلك يجعل مادة العمل ومحتواه في تماهٍ تام و سيحصل مثل ذلك في الكتابة حيث تشح مواد الطباعة والورق ولوازم النشر..
هذا الضيق سيظهر في رسوم الأجيال التالية التي شهدت الحرب وعاشت جوانبها العملية واكتوت بها تماما ، لذا يخيم الحس الكابوسي على رسوم الثمانينين والتالين لهم من الجيل الذي تفتحت مواهبه مع ظروف الحصار منذ مطلع التسعينيات حتى الاحتلال الأمريكي للعراق.
ففي رسوم الجيل المعاصر للحرب والحصار جرى تأكيد ذلك التحول في المواد و المعالجة ، وسنرى ذلك في لوحات ومنحوتات لأحمد البحراني وجماعة الأربعة( فاخر محمد وحسن عبود ومحمد صبري وعاصم عبدالأمير) وهناء مال الله وغسان غائب وكريم رسن وستار كاووش وإيمان خالد ونديم محسن ونزار يحيى وعمار سلمان ومحمود العبيدي وسواهم من فناني بغداد والمحافظات والمهجر أيضا.
وتعكس التخطيطات والمائيات والمنحوتات تلك الروح التقشفية ، وفي حال توفر المواد فإن الجو الكابوسي للحصار وقلق المستقبل والتهديدات بالحرب كلها تدعو لليأس والتشاؤم وتشيع ما تسميه هناء مال الله كعنوان لأحد تخطيطاتها الورقية ( مذاق الحصار) التي تبدو فيها الأفواه كالرؤوس فارغة وبائسة بسبب الحصار ومتناثرة على سطح الورقة متباعدة رغم خطوطها الخارجية الدقيقة كناية عن التدهور الذي أصاب الحياة كلها. وتوسعت بسبب الحرب مصادر الرسامين الثقافية وصاروا يبحثون في طيات المكان المديني والمأثورات عن مراجع تصويرية ، وحينا يذهبون إلى المقتنيات المتحفية ليستفيدوا منها في تكوين أعمالهم.واستلهام الروح الحضارية للفن العراقي القديم وتأمين حداثة أعمالهم في الوقت نفسه..
في النحت ربما تستوقفنا تجربة أحمد البحراني الذي يمر بمراحل تطور واضحة في تأكيد معالجات خاصة وجذرية ساعدته في التخلص من تأثير النحاتين العالميين –جياكوميتي خاصة وشخوصه الدقيقة العارية المعلقة في الفراغ والمؤطرة بحدود تشل حركتها كناية عن المحددات التي جاءت بها الحرب .
يشتغل على موضوع الحرب وانعكاساتها فنانون من أجيال مختلفة تلقوا أصداءها وتمثلوها بطرق متنوعة ، ومن هؤلاء شاكر حسن الذي ازدادت ضراوة تعامله مع المواد وأوغل في تجارب الحرق والخرق وتهشيم الأطر ورسم اللوحات المعتمدة على التنافذ بين وجهيها ، كما أخذ يبشر بفن ما بعد الرسم يأسا من جدوى الخطاب الجمالي السائد في النصوص التشكيلية وبرزت لديه تمزقات أو تداعيات جدرانه وتشظيها ومعاناتها من خروق وانهيارات توازي ما يحصل بسبب الحرب.
وهذا ما يظهر في تجارب فنانين مكرسين كضياء العزاوي و رافع الناصري ومحمد مهر الدين وإسماعيل فتاح ومحمد غني وسالم الدباغ وليلى العطار وسواهم ممن شهدوا الحروب وتداخلات الحالة العراقية.. وسنتبين في لوحات رسمها مهر الدين مثلا أواخر التسعينيات مصاحبة لأحد دواوين البياتي أنه يميل إلى التشظية والقطع والتركيز على ثيمات الموت ومرادفاته الرمزية كالليل ، بينما ينقسم السطح التصويري قسمين تفصلهما مساحات ملونة متداخلة وتتسيد العمل خلفيات داكنة لم تنقذها الخطوط والألوان من الحس الفجائعي .
وفي عمل ضياء العزاوي استبطان واضح عبر التشريح لدواخل الإنسان الذي تخرج من قفصه الصدري حمامة تنهي بالأحمر وتشي بفاجعة قائمة أو قادمة.




لحظتان دراميتان في ذروة الألم العراقي
كي لا يظل الحديث عن العراق وحروبه واحتلاله عاما سأتوقف عند لحظتين هامتين في سيرورة ألمه المزمن والأبدي هما حادثة تدمير ملجـأ العامرية ، وتعذيب سجناء أبو غريب.
كلا الفعلين لهما فاعل واحد، كان مارس يركب في جريمة العامرية طائرة مقاتلة تتبعها أخرى ليوسعا فتحات منافذ التهوية ويلقيا القنابل الثقيلة التي بسبب الحرارة التي صنعتها أغلقت مخارج الملجأ الغاص بالهاربين من القصف الليلي على المدن عام 1991. كانت تلك تحية الصباح من العسكر الأمريكان لهؤلاء الحالمين بليلة لا يسمعون فيها صفارات الإنذار وهدير الطائرات ودوي القنابل التي يتوقعون أن تسقط علي بيوتهم، لكن حدسهم خذلهم هذه المرة ، ومن حيث ظنوا الأمن جاءتهم المقتلة التي حصدت أرواحهم بطريقة بشعة، كنا نتجمهر خارج الملجأ صباحا بعد أن سمعنا بالضربة الجوية على ملجأ مدني لسكان العامرية غرب بغداد والقريب من مركز الكرخ فهرعنا إلى هناك .كان المنقذون الأوائل من الإطفائيين قد ماتوا احتراقا أو اختناقا ، و لا تزال صيحات المحاصرين من النسوة والأطفال والشباب تُسمع طالبةً النجدة...بعد ساعات ستتوقف صرخات الاستغاثة لأن أصحابها لم يعد يطلقونها. لقد ماتوا جميعا.
تمثّل الرسامون والنحاتون العراقيون كما الأدباء والشعراء عناصر تلك المجزرة التي شبهها الشهود بجورنيكا ضخمة وعصرية ، ولكن الملجأ الذي صار متحفا يري الزائرين صور الضحايا وقطع الشعر واللحم الملتصقة بالجدران ، والجدران أو ما تبقى منها مسودا بهباب الأجساد التي تفحمت وشبح الموت يتبختر بإرشاد مارس الذي كان يتدرع بحديد إضافي وينظر بشماتة ولذة ،ويشد على أيدي رسله من الطيارين الأمريكان وقادتهم القتلة الذين أبدوا اعتذارا دبلوماسيا لم يخل من اتهام للضحايا بالتقصير!
ليست نصوص العامرية التشكيلية تحت يدي الآن للأ سف، ولكن الذاكرة تحتفظ بملاحظة نقدية مفادها أنْ لا عمل ارتقى إلى رتبة الواقعة وأثرها الشعوري والإنساني. هنا يتفوق الخارج وواقعته على نسخة الفن التي تحتاج إلى زمن لاستيعاب الحدث ، وابتكار زاوية النظر التي تخلده في وعي الأجيال وضمير الإنسانية وسنن المدنية ونواميس الحضارة.
نحن لا نطالب هنا بعمل إيقوني ينقل مفردات مرجعه الخارجي لأننا بحسب ملاحظة جوليا كريستيفا بالغة الاختصار والدقة (25)نكون قد قسنا الموضوع المصوّر(=المرسوم )كصورة لمرجع موجود خارج نظام اللوحة مادمنا نقيس لموضوع واقعي ، وبذا نقضي على اللغة التصويرية باختزال مكوناتها في مكونات مشهد خارج اللوحة ، تتصل به بطريق المماثلة التامة(=المطابقة) .وسنكون بانتظار عمل يستوعب ويتمثل ما حصل في الملجأ ذلك الفجر ويتأمل المصائر التي واجهها المدنيون النائمون ثم يعيد تمثيلها فنيا لا بتجويق الضحايا أو درج الجريمة في تحديات الحرب المعلنة بل في دلالتها الإنسانية والقدر الفردي الذي واجهه كضحية.
في حالة سجن أبو غريب كانت الصور الفوتغرافية ذات وقع استباقي ، فكان العجز الفني بسبب ذلك الوقع المدوي للصور ،لا بسبب التعجيز الذي تنطوي عليه الواقعة الخارجية(= واقعة التعذيب المفرط الوحشية للسجناء والمحتجزين وإشراك الكلاب في ترويعهم ونهش أبدانهم ، والسخرية منهم وتعليقهم عراة بطرق مهينة وتصويرهم مع الجلادين ، وسحبهم على أرضيات جرداء في البرد دون ثياب ، وتكديسهم فوق بعضهم معصوبي الأعين، وربط أعضاء من أجسادهم بآلات كهربائية )وسوى ذلك مما عرضته –وياللمفارقة - كامرات شخصية استخدمها الجلادون من المجندين والمجندات في جيش الاحتلال الأمريكي ،وعرضوها في حمّى صفاقتهم واستعراضهم والتبجح بالهيمنة على عزّل مأسورين.
مؤخرا هزت الأوساط الفنية في العالم أعمال قدّمها الرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو( 26) وتضم عشرات اللوحات من وحي فضيحة تعذيب السجناء والأسرى والمحتجزين المدنيين العراقيين في أبو غريب، وسيكون لقراءة تلك الأعمال صلة قوية بمرجعها دون شك ، حيث يتحدد عمل المخيلة بفعل الضخ الصوري وقوة المرجع ودويّه ، لكن براعة الفنان تكمن في تعميق تلقي الضحايا لحدث التعذيب منفردين. إنهم يتلقون معاناتهم كقدر لا تخفف منه جماعية العقاب ، وهذا الفهم يغير صورة البطل في اللوحة المستمدة من تداعيات الحرب، هنا نرى السجين قوي البدن رغم التعذيب ، يتجه إلى المشاهد –ضمنا إلى الجلاد- ويناشده لا باستعطاف بل بقوة الحجة وإشارة القيد المضخمة ببلاغة ، وكأنه يصنع صورة داخل اللوحة ، وسيخرج المتلقي لهذه النصوص البصرية بأسئلة عن حق الجلاد في إهانة ضحيته وإذلاله والتلاعب بحياته وكرامته ووجوده ،فضلا عن حريته ، وحرية وطنه في المقام الأول.
إن الجريمة تشتد وطأتها حين يتذكر المشاهد عراقيا أو غيره أن حرب أمريكا كانت تحت شعارات معاقبة نظام دكتاتوري لا قانون يسود علاقته بمواطنيه ولا قضاء ولا حرية تعبير أو رأي، ولكن كل هذه الشعارات صارت بسبب جريمة أبو غريب موضع شك وتساؤل معاكس ومضاعف ، فأي من تلك الأفعال الشنعاء لمحتل تجاه مواطني البلد المحتل تتوافق مع تلك الدعاوى التي فضحتها النصوص التشكيلية المستمدة من الوقائع الخارجية والمعدلة لها في إطار الفن ، لتغدو ذات أثر على المتلقي ونفوذ في ذاكرة البشرية التي تطهرها الأعمال الفنية من درن الحروب وجرائم صانعيها وبذرات نزواتهم الدموية.(27).
كما تحرر الذاكرة البشرية من شهوة الموت التي يشيعها مارس من وراء دروعه وعبر رسله القساة إلى ضعفاء العالم الذين - كما يثبت بريخت في مقطوعة استهلالنا للدراسة - يظلون جياعا سواء أكانوا في صف المنتصر أو المهزوم ، ببساطة لان المنتصر منهزم كذلك لأنه خسر الحجاج والقناعة وسبل العدل الممكنة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...