ملجأ العامرية Amriya Shelter

ملجأ العامرية أو الفردوس أو رقم خمسة وعشرين هو ملجأ من القصف جوي بحي العامرية، بغداد، العراق، قصف أثناء حرب الخليج الثانية. فقد ادت احدى الغارات الاميركية يوم 13 فبراير 1991 على بغداد بواسطة طائرتان من نوع أف-117 تحمل قنابل ذكية إلى تدمير ملجأ مما ادى لمقتل أكثر من 400 مدني عراقي من نساء واطفال. وقد بررت قوات التحالف هذا القصف بانه كان يستهدف مراكز قيادية عراقية لكن اثبتت الاحداث ان تدمير الملجا كان متعمدا خاصة وان الطائرات الاميركية ظلت تحوم فوقه لمدة يومين
The Amiriyah shelter or Al-Firdos bunker was an air-raid shelter ("Public Shelter No. 25") in the Amiriyah neighborhood of Baghdad, Iraq. The shelter was used in the Iran–Iraq War and the Gulf War by hundreds of civilians. It was destroyed by the USAF with two laser-guided "smart bombs" on 13 February 1991 during the Gulf War, killing more than 408 civilians.

الثلاثاء، 7 ديسمبر، 2010

وتضرج الفجر بالرماد هدية القاصة مروة سامي إلى شهداء ملجأ العامرية في الذكرى التاسعة عشر

وتضرج الفجر بالرماد
فبراير 13, 2010 بواسطة مـروة سـامي حسين
مهداة الى شهداء ملجأ العامرية في بغداد في الذكرى التاسعة عشر
*******************
مازالت رائحة الدم – التي تفوح من جدران
ملجأ العامرية – فوّاحة بالوجع ..
ولها طعم مغسول بالعبرات ..
والملح .

ومازالت ذكرى قاطنيه – كل عام –
تفتح لنا بوابة الجحيم على مصراعيها ،
لتسعر في وجوهنا .

هانحن اليوم – وكل يوم – نمطرهم حباً ودموعاً ..
ويمطروننا بعداً .

مازلنا نتذكرهم ..
نتذكر ما تبقى منهم – او بنحو ادق –
ما تبقى منا ..
من اعمارنا ..
واحلامنا من دونهم . ………………………………………………………….

هكذا بدت السماء مشحونة .. ومكهربة بالاحزان .. وترانيم الخيبة المؤبدة .
وهكذا بدا ضوء الشمس شاحباً .. بارداً لا يكاد يغطي مداه ، وبدت ارمانيسا – وهي منكمشة وراء مكتبها الصغير في المنزل – شبحاً يهرب من ظلال الارض المتخمة بالعفن .. والبرد .. ورائحة الموت تنبعث من كل مكان .

يرقبها الزملاء – الذين حضروا لزيارتها – بأسى .. ويتحسرون على البنت الشقية .. صاحبة القلم الملتهب – كما كانوا يسمونها . يثور احدهم في وجه فالح مصور الصحيفة التي تعمل فيها ارمانيسا .. ومرافقها في كل تحقيقاتها – وهو يراها تنوس في اللامكان :
- ما كان عليك ان تصطحبها معك في تلك الليلة .. وانت تعلم انها تبيت كل ليلة هناك .
يتمتم فالح – وعلامات الندم بادية على وجهه – محاولاً ان يبرر الامر :
- وهل تظن انها كانت ستنتظرني حتى اصطحبها ؟
لو لم اصل في تلك اللحظة لكانت تدبرت حالها حتى تصل الى هناك .

مازالت تراهم يمدون لها ايديهم الطرية . ومازالت تسمع استغاثاتهم .. وصراخهم المكبل بسياط اللهب . لم يجدوا سبيلاً للنجاة . كل المسارب اغلقت.. وكل المسالك دفنت ، ولم يبق منفذ الا واحكم الحصار حوله . احتضنوا الجدران.. ناشبين وجوههم في الحجر . ممزقين بأظفارهم لحم الصخر .. حتى انصهروا والتصقت أجسادهم بالجدران .. فلم تعد تسمع الا سياط اللهب تجلد الاجساد البريئة.. التي اتحدت مع الجدران وذابت في عشق اسطوري .

انها تراهم كل ليلة .. وتسمعهم يطرقون ابواب الحجر . ارواحهم مازالت حبيسة الجدران .. والجدران تنبض بقلوبهم . انهم هناك يطالبون بالخروج . لو مررتم بالقرب من الجدران للفحتكم انفاسهم اللاهبة .

يزوغ بصرها الى سقف الحجرة .. وتزوغ معه في اروقة الذاكرة اشباح الامس الموجع .
في ذلك اليوم ، لم تتوقف صافرات الانذار عن العويل . الشمس – رغيف ناضج– ابتلعها تنين الظلام . الشوارع خاوية .. والليل طويل .. موحش . وحده ملجأ في العامرية ، كان يعج بضجيج الاطفال .. طرائف النساء .. واحاديث الشيوخ.

دخلت ارمانيسا – كعادتها – الى ركنها الذي اعتادت عليه في الملجأ – حيث كانت قد علقت صورة للعذراء .. ومسبحة يتدلى منها صليب صغير . كانت تجلس ساعات امام الصورة – حين يشتد القصف – تصلي .. وتطيل النظر اليها ، حتى يخيل اليها انها ما تلبث ان تنطق .. او تبتسم .. وان النور الذي يصخب به الملجأ ليس الا نورها .
في بقعتها تلك ، كانت تنفض عنها غبار الوجع والخوف .. وتتناغم مع المحيطين بها كما تتناغم حبات المسبحة . كانت تمارس انسانيتها .. تضحك.. وتبكي .. وتتألم لفقد وجه اعتادت وجوده معهم . وفي اللحظة التي يخلد فيها الكل الى السكينة .. تتفرغ لقلمها . تلتهم السطور .. وتحيل الصفحات البيض الى بحار من نار . وبينما هي منهمكة في الكتابة ، تقدمت منها طفلة لا تتجاوز التاسعة . حدقت في الكلمات ببراءة . تركت ارمانيسا دفترها والقلم جانباً ، ثم ابتسمت في وجه الفتاة الصغيرة . لكن عيني الطفلة ظلتا ترمقان القلم .. والدفتر. امسكت بيدها وقالت مداعبة :
- ما اسمكِ يا حلوة ؟
- عائشة .
همست بخجل ، ثم التفتت .. واشارت الى مجموعة من الاطفال واردفت :
- ذاك عمر .. وتلك نور .. وهناك عند الركن يقف احمد .
- اتريدين الدفتر والقلم ؟
سألتها .. فأومأت الطفلة برأسها : نعم .
قدمتهما الى عائشة .. فاسرعت الطفلة تعدو الى احدى الزوايا ، ثم جلست على الارض . تحلّق الاولاد حولها . مررت القلم فوق السطور ، بينما ارمانيسا ترقبها – وترقب الصغار حولها من بعيد . بعد دقائق عادت عائشة .. واعادت اليها الدفتر والقلم . قالت بفرح طفولي :
- شكراً .
ثم راحت تعدو وتلعب مع الاخرين .. مشكلين حلقة كبيرة ، وهم ينشدون ( شدة يا رود .. شدة ) . شعرت ان الحياة تتدفق من بين شفاههم .. من انعقاد اناملهم البضة .. من دبيب ارجلهم الصغيرة . اشتهت – لوهلة – ان ترمي بالدفتر جانباً لتلعب معهم ، لكن مقالها لم ينته بعد .. والمدير يريدها الليلة – بعد العاشرة مساءً– عليها ان تشرف على اصدار العدد الجديد من الصحيفة في المطبعة . حين فتحت الدفتر – لتكمل ما بدأت – انبثق رسم عائشة امام عينيها مدججاً بالنار .
طيور .. فراشات .. غراب اسود .. وافعى رقطاء .. وسماء تساقط كرات من لهب . نظرت الى الاطفال – وهم يلعبون – لتفتش عن وجه عائشة التي رمقتها من بعيد ، وفوق شفتيها الطريتين تراقصت ابتسامة عذبة . همست مع نفسها :
- انها حقاً موهوبة !

  

لم تعد تذكر لماذا قررت فجأة ترك المطبعة .. والعودة الى الملجأ قبل ان يكتمل اصدار العدد الجديد للصحيفة .. وفي تلك الساعة المتأخرة . كل ما تذكره انها كانت ترمق بندول الساعة – المعلقة على الحائط – وهو يتأرجح بلا مبالاة تثير الاعصاب ، وحين اعلنت الرابعة فجراً .. قفزت ارمانيسا من كرسيها كالملسوعة . قلبها يخفق كعصفور محبوس داخل صدرها . خفق اجنحته يضايقها.. ينقر جدران زنزانته المظلمة .

مرت الدقائق مملة قاتلة . حملت معطفها وخرجت من المطبعة من دون ان تخبر احداً من العاملين معها . تلفتت يميناً ويساراً . لا احد.. لا شيء سوى الهدوء والعتمة . سارت بضع خطوات .. وفجأة اشتعلت السماء بوميض يخطف الابصار.. ودوي انفجار قريب زلزل الارض من تحتها . تسمرت في مكانها امام المطبعة . عادت صافرات الانذار الى العويل من جديد .
العصفور الصغير يخفق .. ويخفق .. والجدران تزداد صلابة . الريش يتناثر هنا وهناك .
لا تدري كيف انشقت الارض في تلك اللحظة .. لتنبثق سيارة فالح امامها كالمعجزة . فتح لها باب السيارة ، وقال بصوت متحشرج :
- اصعدي

السيارة تنطلق بهما بسرعة مذهلة .. وهي خائفة من السؤال عن مكان الانفجار . تحس انها خائفة .. لاول مرة تخاف الى هذا الحد . صدرها بدأ يضيق .. وفالح – هو الاخر يضاعف خوفها بصمته . ادركت ان شيئاً رهيباً قد حدث . شيء لم يحسب حسابه . تلفتت حولها ، وهمست لنفسها :
- لا .. لن تخدعني العتمة ..
لا.. ولن يكذب الليل عيني ..
هذه الشوارع اعرفها .. احفظها .. رباه !
برعب حقيقي تحرك شفتيها من دون ان تنبس بحرف :
- الملجأ ..! الـ ..مـ.. لـ.. جـ..أ.. !
العصفور الصغير يرعف .. جناحاه منهكان .. ونبضه يكاد يتلاشى .

حين اوقف فالح السيارة امام مشهد مرعب ، شعرت ان الزمن توقف .. وانها امام شاشة سينمائية كبيرة .. بحجم الافق . قشعريرة مخيفة تسري في اوصالها . نظر اليها فالح وهي ترتعش كعصفور مبلول .. ووجهها يتفصد عرقاً. امسك يدها . كانت باردة ، واصابعها متشنجة . حاول ان ينزلها من السيارة . قدماها بالكاد تحملانها . هزها بيديه وهو يردد اسمها مراراً وتكراراً :
- ارمانيسا .. ارمانيسا ..
لكن الصراخ المحموم يمزقها بنصاله الحادة . وكلبوة فقدت كل اشبالها دفعة واحدة – وامام عينيها – نشبت اناملها في السور الحديدي ، ثم اندفعت نحو باحة الملجأ وهي تصرخ :
- عائشة ..
لكن يد فالح تلقفتها ومنعتها من المرور ، فنشبت اظافرها في ذراعه . النار تأكل كل شيء امام اعينهم .. حتى تضرج الفجر بالرماد .

  

انصرف الجميع ماعدا فالح الذي دنا منها .. وامسك بيدها ، ثم همس :
- صباح الخير ..
التفتت اليه . وجهه مختبئ وراء باقة ورد ابيض . سحبها من يدها .. وقال :
- هيا .. اريد ان اريكِ شيئاً .
انطلقت السيارة بهما في الشوارع المتخمة بالاحزان . اوقف فالح سيارته امام البوابة المحترقة . ترجلا من السيارة . يدها الصغيرة داخل كهف يده . تشعر بالنار تتقد في بدنها . ينبثق المشهد امامها حاراً .. وكأنه يحدث الان . الصراخ المفجع يصم اذنيها . تشم رائحة الدم .. واللحم المحترق تفوح من الزوايا . تراهم وهم يخرجون من عمق الجدار اسراباً .. اسراباً . يلوحون لها . ثيابهم بيض فضفاضة . تعلو رؤوسهم هالات من نور – كالتي في الصور المعلقة على جدران منزلها . يمدون لها ايديهم الطرية . تنتزع يدها من كف فالح . تخطف باقة الزهر منه ، ثم تعدو نحو البوابة الداخلية للمبنى . تفتح الباقة .. وتحمل زهرة زهرة لتوزعها على الاطفال الذين تحلّقوا حولها . يراها فالح ترمي بالازهار على الارض ، فيجهش بصمت .

تلمح ايدي الاطفال – القابضة على اغصان الزهر – تنزف . يدها – هي الاخرى – تنزف . ترفع رأسها .. ترى الجدران تنزف .. السقف ، والحديد المتدلي من وسطه – كبطن مفتوح اندلقت احشاؤه الى الخارج – يقطر دماً .
تصرخ ..
يبتعد الصغار مشكلين حلقة كبيرة بايديهم الناعمة . تسمعهم ينشدون ( شدة يا ورد .. شدة ) . تنشد معهم .. وتدور في حلقة وهمية . يبتعدون عنها . النار تطاردهم .. وتقضم اطراف ثيابهم . تعدو في الممرات وتصرخ :
- النار .. النار ..
ووجه عائشة – بابتسامته العذبة – يضيع منها في الاروقة المشتعلة .

تلمحهم يتكتلون . ومن اللهب الاحمر تنبت لهم اجنحة براقة يحلقون بها عالياً . لكنها تظل تعدو وراءهم حتى تصطدم بالجدار ، ثم تسقط على الارض . يساعدها فالح لتنهض . تشير الى الفجوة في السقف :
- انهم يرحلون ..!
تقف تحت الفتحة .. تتطلع الى السماء القصية . تراهم يلوحون لها من بعيد بايد مخضبة بالحناء ..
تظل ترقبهم .. وتلوح لهم بيدها حتى تغادرها الظلال الاخيرة لملامحهم .. وهم يحلقون نحو سماء رحبة .. ويغيبون وراء السحب في موكب ملائكي مهيب .
http://marwa7sami.wordpress.com/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...